ترامب في حالة إنكار بشأن أنشطة كوريا الشمالية

تم نشره في الأربعاء 25 تموز / يوليو 2018. 11:00 مـساءً
  • وحدة من الجيش الكوري الشمالي - (أرشيفية)

كينت هارينغتون*

أتلانتا - لا أحد يعلم بعد عن نوع الصفقات التي من الممكن أن يكون الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أجراها مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال الاجتماع السري الذي جمعهما في هلسينكي لمدة ساعتين. ولكن من الواضح أن تهنئة ترامب لنفسه بمناسبة عقد صفقة "لنزع السلاح" من شبه الجزيرة الكورية خلال القمة التي جمعته مع كيم جونع أون في سنغافورة، بدأت تفقد قيمتها. ففضلا عن تراجعه عن المفاوضات مع الولايات المتحدة على مستوى العمل المشترك، ما يزال نظام كيم يعزز مركزه كدولة مصنعة للأسلحة النووية، ورئيس الكرملين متأكد من تسجيله لهذه المعلومة.
كانت دائما لدى المختصين في شأن كوريا الشمالية شكوك حول ما إذا كان كيم سيتخلى عن أسلحته النووية. وهناك أدلة جدية تدعم شكوكهم. وتشير تقارير لموظفين في الاستخبارات الأميركية أن الشمال ماض قدُما في برنامجه النووي عن طريق الزيادة في إنتاج الصواريخ واليورانيوم والتكتم حول حجم مخزونه النووي.
كل من تابع ما يحصل في شبه الجزيرة الكورية سبق له وأن شاهد هذا الفيلم. ففي كل الأحوال، كان والد كيم وجده هما من كتبا السيناريو قبل عشرات السنين. ومنذ 1970، عبر نظام كيم باستمرار عن رغبته في نزع الأسلحة النووية من شبه الجزيرة الكورية الكورية ووقع على اتفاقيات منع انتشار الأسلحة النووية ودخل في مفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية –وكان في نفس الوقت يتابع برنامج الأسلحة النووية. وفي المرة الأخيرة التي أعيد فيها نفس السيناريو، استعمل كيم المؤثرات الخاصة التي استخدمها والده. ففي أيار (مايو)، فجر محطة لاختبار الأسلحة النووية على الطريقة السينمائية التي عرضها كيم جونغ عندما فجر بواسطة الديناميت برجاً لتبريد مفاعل نووي قبل عشر سنوات.
مقارنة مع سياسة كيم التي تدرب عليها هذا الأخير جيدا، كانت الدبلوماسية التي اعتمدت عليها إدارة ترامب فاشلة. فبعد تهديده لكوريا الشمالية بتدميرها تماما العام الماضي، قدم ترامب تنازلا كبيرا لكيم عندما وافق على حضور قمة حزيران (يونيو). وأثناء وجوده هناك، أظهر أنه ليست لديه أي استراتيجية، ولا حتى لدى إدارته، لجعل كيم يلتزم بأي اتفاق. والأسوأ في الأمر أن ترامب استمر في الإصرار على أن المحادثات التي تلت هذه القمة على ما يرام، على الرغم من أن آخر زيارة قام بها وزير الخارجية الأميركي بومبيو لبيونغ يانغ انتهت بتبادل الاتهامات بين الطرفين.
وراء الواجهة المحطمة للتمثيل السيئ لترامب، هناك إدارة مقسمة بين أهدافها الرئيسية المتعلقة بوضع السياسات. وعلى ضوء التقييم الأخير الذي قامت به جهات استخباراتية بشأن استمرار كوريا الشمالية في أنشطة نووية، يحتمل أن يكون هناك المزيد من التقسيمات. وبخصوص هذا الموضوع، سبق لبومبيو أن غير رأيه بشان طلب قدمته الولايات المتحدة الأميركية سابقا، وذلك عن طريق تلطيف كلامه بشان مسألتي التفتيش والتحقق المثيرتين للقلق. وأشار مسؤولون في الولايات المتحدة الأميركية أن المزيد من التلطيف في مواقف الإدارة قادم.
في نفس الوقت، اعتمد مسؤولون آخرون في البيت الأبيض سياسات أكثر صعوبة. إذ لم يقتصر مستشار الأمن القومي لترامب، جون بولتون، على الدعوة إلى التخلي عن الأسلحة النووية فقط، بل دعا أيضاً إلى نزع جميع الأسلحة غير التقليدية في كوريا الشمالية بشكل سريع. وخلال هذا الشهر، صرح بولتون بأن لديه خطة للقضاء على جميع برامج كوريا الشمالية لصنع الأسلحة النووية والكيماوية والبيولوجية في غضون عام.
يفضل ترامب أن تتخذ القرارات من طرف ذوي النفوذ فقط، وسنرى الآن كيف ستكون ردة فعله إزاء التقارير الاستخباراتية بشأن خداع كوريا الشمالية. ومهما حصل، فبعد أن أطلعت الولايات المتحدة الأميركية كلا من اليابان وكوريا الجنوبية وغيرهما من الحلفاء على معلوماتها الاستخباراتية، أصبح للقادة السياسيين والمسؤولين العسكريين في هذين البلدين سبب يدعوهم إلى القلق. فبالنسبة لليابان وكوريا الجنوبية، على الخصوص، أصبح التناقض بين خطاباته السياسية وما اكتشفته أجهزة مخابراته مصدر قلق بالغ.
ومما يثير القلق أيضاً، تصرفات ترامب التي لا يمكن التنبؤ بها تجاه حلفاء أميركا. وقد تابعت سيئول عن قرب ظهور ترامب المدوي في اجتماع الناتو هذا الشهر، لأنهم كانوا أيضا مقصودين عندما انتقد حلف الاطلسي بشأن الإنفاق العسكري. وكان ترامب قد دفع بالحكومتين معاً إلى تعزيز ميزانيتهما المتعلقة بالجيش، وفكر طويلاً في سحب القوات الأميركية من كوريا الجنوبية. وفي قمة سنغافورة، ذهب إلى حد الموافقة على تعليق تدريب الجيش الأميركي مع كوريا الجنوبية -وكان ذلك بمثابة تنازل كبير آخر- والذي زاد من قلق حلفاء أميركا في آسيا.
سيزيد من قلق الحلفاء أيضا صمت ترامب عن المعلومات الإستخباراتية الأخيرة بشان كوريا الشمالية –ناهيك عن وقوفه إلى جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على حساب وكالاته الاستخباراتية عندما اكتشفت تدخل روسيا في الإنتخابات الأميركية للعام 2016. وسوف يؤدي تجاهل خداع كوريا الشمالية بشكل مباشر إلى تراجع أمن اليابان وكوريا الجنوبية، على الرغم من أن نظام كيم ما يزال يسعى إلى صنع صواريخ نووية بالستية عابرة للقارات والقادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة الأميركية، ولديها أيضاً صواريخ متوسطة المدى عاملة بشكل كامل وقادرة على ضرب الدول المجاورة. ولأن اليابان وكوريا الجنوبية تشكلان قاعدة عسكرية للولايات المتحدة الأميركية، فإنهما تقعان في مقدمة لائحة الدول التي يستهدفها السلاح النووي لكوريا الشمالية.
قد لا يروق هذا لترامب، لكن عليه التنديد بخداع كيم، خاصة بعد المعلومات الاستخباراتية الأخيرة. ومن بين اشياء أخرى، ينتج الشمال محركات صواريخ متينة تعمل بالبنزين، وقطعاً بحرية مسلحة بالصواريخ البالستية العابرة للقارات. وهذا أمر قد يعزز قدرة كوريا الشمالية على الهجوم المفاجئ، عن طريق جعل ترسانتها النووية أكثر استدامة وقدرة على التنقل وسهولة الاختفاء. وتظر جهود كيم المستمرة في هذا المجال أنها ليست لديه أي نية للتخلي عن برنامجه النووي.
ويقول مسؤولون في البيت الابيض الآن أن ترامب قد يستعين باجتماع للجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر) لعقد لقاء آخر مع كيم، وكأن استرجاع صداقة الزعيمين ستفضي إلى مفاوضات جادة. وهذا لن يحصل، بل يجب عليه أن يبدأ بما هو أهم، وقبل كل شيء، أن يبدأ بمواجهة كيم بالمعلومات الإستخباراتية الأخيرة. ويبقى ما يقال عن نزع السلاح النووي شي، وبذل الجهود لمراقبة الأسلحة بشكل جدي شيء آخر. وينبغي على إدارة ترامب التفكير بحذر بشأن الخطوات التي ستقوم بها في المستقبل.

*محلل كبير سابق في وكالة الاستخبارات المركزية، عمل كضابط للاستخبارات الوطنية في شرق آسيا، ورئيس محطة في آسيا، ومدير الشؤون العامة في وكالة الاستخبارات المركزية.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق