موفق ملكاوي

حصار المعرفة بين زمنين

تم نشره في الجمعة 27 تموز / يوليو 2018. 11:03 مـساءً

في خريف العام 2007، نشر كتاب مهم باللغة الإنجليزية في بريطانيا، بعنوان "الهامسون"، ويبحث في حقبة الرئيس السوفياتي جوزيف ستالين، وكيفية تحكمه بمفاصل الحياة في الإمبراطورية السوفياتية الشاسعة. وقد اشتمل على شهادات آلاف الأشخاص الذين واكبوا تلك الحقبة.
"الهامسون"، مصطلح يشير إلى فئتين من الناس؛ الأولى الذين يتحدثون بأي شيء حول السياسات العامة، أو يجرأون على توجيه نقد لأي أمر كان، والفئة الثانية، هم الهامسون في أذن الشرطة السرية ليبلغوا عن أولئك الذين انتقدوا ستالين وحكمه، أو أي مفصل في عمل دولته.
لقد بنى ستالين، وغيره من الديكتاتوريين، حكمه بواسطة التحكم بالمعرفة، وخنق حرية التعبير، والبطش بالخصوم، وقمع أي احتجاج أو تململ، وبواسطة محاكم سياسية تبنت وجهة نظر الديكتاتور، وغيبت القانون، فأصدرت أحكاما قاسية، علاوة على أولئك الذين لم يكونوا محظوظين أصلا، فلم يستطيعوا الوصول إلى أي محكمة، بل ماتوا نتيجة رصاصة في مؤخرة الرّأس، أو من الإعياء والمرض في معسكرات العمل، أو من المجاعات التي نتجت عن سياسة الزراعة التعاونية الإجبارية لستالين.
بهذا النوع من السياسة، استطاع ستالين أن يبني مجتمعا مرعوبا، ظل على الدوام خائفا من مجرد الدخول في أي نقاش، مهما كان شكله أو فحواه، فعاش الأفراد مرعوبين خائفين من أي حركة أو صوت، وبذلك استطاع أن يظل مسيطرا على هذه الدولة الشاسعة.
لا يختلف حكم ستالين كثيرا عن الحكم الذي اقترحته كثير من الديكتاتوريات التي سادت على مر التاريخ، من الأنظمة الشمولية كألمانيا النازية، والفاشية والأنظمة السلطوية المتطرفة، سواء كانت مدنية أو عسكرية جاءت إلى الحكم بانقلابات دموية.
ظلت سياسة التحكم بالمعلومة منهجا وركنا أساسيا في حكم هذه الديكتاتوريات، من أجل تنظيم ما يجوز للشعب أن يعلمه، وما لا يجوز.
مع اختلاف مجالات التلقي، وانفجار المعرفة الرقمية وشيوع الإنترنت، أصبح حصار المعلومة واحدا من الأمور الصعبة، إن لم يكن مستحيلا، لذلك بات على الديكتاتوريات أو الأنظمة الشمولية أو الأبوية أن تقترح شكلا آخر من الرقابة أو التضليل، لذلك تم اختراع مبدأ جديد تقريبا، قد ينفع أن نسميه "الإغراق"، ويتمثل بضخ معلومات كثيرة صحيحة ومغلوطة خلال حدث أو أزمة ما، أو التركيز على مفصل معين صغير في أزمة كبيرة، وإشباعها بالمعلومات والكشف، ما يجعل تركيز الجمهور على الأزمة الكلية أقل، وتغيب، أحيانا، الحقيقة بين ثنايا الجدل العقيم الذي تديره مراكز محترفة، وناشطون يتبعون لتلك المراكز.
إغراق الرأي بالمعلومات، سيكون له التأثير نفسه الذي انطلق منه الأسبقون في حصار الرأي العام ومنعه من الوصول إلى المعلومة، ببساطة لأن كثرة المعلومات وتضاربها سيجعلنا نشكك فيها، ومع الوقت سوف نركن إلى العزوف عن تتبع تلك المعلومات التي لا تفيدنا في الوصول إلى الحقيقة.
في زمن ستالين، فإن الموجات المبكرة للقمع استهدفت طبقات النبلاء والبرجوازيين و"الكولاك" أو صغار الإقطاعيين، اعتقادا من ستالين أنه يقود حركة تحررية لمصلحة الشعب الذي ينبغي أن تكون جميع الأمور في يده. اليوم تبدو المعادلة معكوسة، فالنبلاء والبرجوازيون وصغار الملاك، بالمفهوم الحديث، يتواطأون جميعهم ضد الشعب، ويفخخونه بالمعرفة المضللة!

التعليق