كيف تُدار عودة اللاجئين السوريين؟

تم نشره في الأحد 29 تموز / يوليو 2018. 11:03 مـساءً

هذه ملاحظات سريعة بنيتها على عمل ميداني متوسط العمق، أجريته مع اللاجئين لغايات أخرى لا تتصل مباشرة بموضوع العودة، بل تركزت حول مجريات اللجوء ذاته والتجارب الذاتية للاجئين، ولكن هذا قد يعطي هذه الملاحظات قدرا من المصداقية، لأن السؤال المباشر عادة ما يجعل المستجيبين يتعمدون تقديم أجوبة نموذجية ترضي الباحث ولكنها قد لا تعكس الواقع.

من الضروري الانتباه أولاً إلى أن العودة الطوعية إلى سورية لم تتوقف، لكن صيغتها تغيرت مع تعقد الأزمة، ففي البداية كانت نقاط العبور غير الرسمي تشهد ما يشبه التنقل المفتوح ذهاباً وإياباً لمن يريد ويستطيع، حينها لم يكن توثيق العبور منضبطاً، وفي فترة لاحقة اكتمل التوثيق، وصار المُغادر يعرف أنه لم يتمكن من العودة بسهولة.

منذ سنوات، يوجد في "الزعتري" مكتب تشرف عليه إدارة المخيم، يحمل اسما دارجا هو "مكتب القذف"، يتقدم اللاجئ من خلاله بـ"طلب قذف"، ويجري معه تحقيق للتيقن من طوعية قرار العودة، ثم تستكمل العملية.

من المتوقع أن الوضع تغير الآن مع سيطرة الدولة السورية وأجهزتها الرسمية على الحدود، وستتخذ العملية مسارات أخرى، لأن الأمر يخضع للقوانين والإجراءات الدولية الخاصة باللاجئين عموماً، مع ملاحظة أن قسما كبيرا من السوريين حضر عبر الحدود الرسمية قبل إغلاقها في السنة الرابعة للحرب.

السوريون عموماً شعب محب لبلده، ومتعلق به، وهم لا يتداولون فكرة اللجوء النهائي، ولكن من الضروري أن لا يتوقع أحد عودة كامل اللاجئين أو نسبة كبرى عالية منهم، فهذا لم يحصل مع كل حالات اللجوء بما فيها تلك التي انتهى مبررها خلال شهور، فما بالك بالسنوات؟

لم تنقطع علاقة كثير من اللاجئين ببلدهم، أقصد العلاقة العملية، فبعضهم ظل لفترة يقبض راتبه الذي لم توقفه الدولة السورية، حتى من الموظفين العاملين، وفي مرحلة لاحقة صارت السلطات السورية تضع ضوابط أدت إلى انقطاع قسم من الرواتب.

قسم آخر من اللاجئين إلى الأردن، وخاصة الفلاحين مالكي الأرض، حافظوا على تشغيل الأرض، عن طريق الضمان، أو عبر العلاقة مع الأقارب؛ أي أن قسما منهم حافظ بصورة أو بأخرى على جزء من مصادر دخله.

على الأغلب، إن العنصر الأهم الذي سوف يتحكم بقرار العودة أو عدمه هو: الأمن والثقة بالسلطات.

أذكر مثلاً أني كررتُ على المبحوثين السؤال الآتي: بغض النظر عن موقفكم (مع أو ضد) فإن الثابت أن جيش بلدكم ومؤسساته لم تنهر كليا وما تزال صامدة إلى درجة ملحوظة، فهل هذا يسركم؟

عموماً لم تكن الإجابات مباشرة بنعم أو لا. بل ارتبطت بسؤال مقابل هو: ماذا سيكون موقف الدولة والجيش منا عندما نعود؟

هذا يعني أن جزءا كبيرا من المسؤولية سوف يقع على عاتق الدولة السورية المنتصرة. فهل ستعتبر الدولة أن البلد أو الوطن ككل هو المنتصر؟ وبالتالي إتاحة الفرصة أمام العائدين لمواصلة حياتهم في بلدهم بأمن وكرامة؟

لحسن الحظ أن الدولة السورية تعاملت مع المواطنين الذين خرجوا من سورية كـ"مُهجّرين"، وهي لا تستخدم في خطابها الرسمي مصطلح "لاجئين" وهذا يعني أن هناك فرصة للبناء الإيجابي على هذه الفكرة.

على الجانب الآخر، هناك في أوساط اللاجئين درجة جيدة من الثقة بالدولة أو الإدارة الأردنية، ولعل وصية السوري الأولى للأردنيين تقول: حافظوا على بلدكم وعلى إدارته وأجهزته.

أختم بالإشارة إلى أن الجهات الإقليمية والدولية ذاتها التي أسهمت في صناعة اللجوء والترويج له، أخذت منذ الآن تروج وتدعو لعدم عودة اللاجئين وتشكك في المصير المنتظر؛ أي أن أعداء الدولة السورية مستمرون في الاستخدام السياسي للّجوء. ولهذا فإن السلوك الرسمي للدولتين الأردنية والسورية سيلعب الدور الأهم في مجمل العملية.

التعليق