حنان كامل الشيخ

"كيكي" وتحديات أخرى!

تم نشره في الاثنين 30 تموز / يوليو 2018. 11:00 مـساءً

القصة الأولى لإيلين إيرسون، وهي فتاة سويدية في أوائل العشرينات من عمرها، استطاعت بجسدها الصغير ووجهها البريء وصوتها المتهدج ودموع ساخنة، أن توقف طائرة بكاملها من أجل مسافر واحد. لم يكن مسافرا عاديا هذا الرجل الأفغاني ذو الخمسة والخمسين عاما والموجود بالصدفة على الطائرة نفسها المتوجهة إلى إسطنبول. لأنه وببساطة كانت وجهته غير سياحية مثل غالبية الركاب الأوروبيين، بل كان مرحلا عن بلد قد هاجر إليها طلبا للجوء من الحرب والقتل أو السجن.
لا أعرف بالضبط تفاصيل عن كيف عرفت هذه الشابة الصغيرة بخبر ترحيل الكهل الأفغاني، لكن ما يثير الانتباه أن صبية في مثل عمرها، وتعيش في قارة بعيدة باردة وبلد طالما كان منعزلا عن قضايا العالم، محايدا في مواقفه السياسية، حاجزا لنفسه المراتب الأولى في الصحة والتعليم والرضا الوظيفي والاجتماعي لشعبه، صبية في مثل هذه الظروف، تعرف أين تقع أفغاستان وماذا يحدث فيها اليوم، ولماذا عليها أن تحارب كي يعود الرجل إلى بلدها مطمئنا، ولا يرجع كما كانت تقول للموت الذي ينتظره هناك!
هذه الموقف الذي تداولته وسائل التواصل الاجتماعي كواحدة من أشد الرسائل الإنسانية تأثيرا في المتلقين، في حقيقته يحمل مشاهد أهم وأوقع لمن يريد أن يتمعن فيه. فلم يقم على سبيل المثال أي من الركاب، وهم من دول مختلفة، على ما أظن، بمحاولة إيقاف البنت عند حدها، حتى لو كان الواحد فيهم لا يحمل هذا الطيبة والمودة للغرباء المهاجرين. بل كان غالبيتهم صامتا إلا بعض الأصوات التي كانت تطالب بحل الموقف خارج الطائرة بسبب خوف الأطفال. وحتى إيلين إيرسون نفسها الشابة الصغيرة، لم تتنمر على الركاب وطاقم الرحلة الشرطة، بتهديد التصوير عبر هاتفها، بل كانت تصور نفسها هي بكل أدب واحترام كي لا تنتهك خصوصية أحد من الموجودين.
القصة الثانية تبعد عن الأولى آلاف الأميال، في بلدة محتلة اسمها سخنين شمال فلسطين،  وتحديدا في روضة أطفال خاصة بذوي الاحتياجات الخاصة. هناك حظي الأطفال من ذوي تحديات السمع والنطق بمعلمة جميلة اسمها سوار الخليلي. هذه الشابة الصغيرة أخذت على عاتقها وعدا صعبا جدا، وهو أن لا تكتفي الروضة بتعليم الصغار القراءة والحساب بلغة الإشارة، بل أن تنتقل بالأطفال المحرومين من نعمة السمع والنطق، إلى عالم الموسيقى والغناء!
تخيلوا كيف لإنسانة تعمل وحدها وهي في مقتبل عمرها، تحول النوتات الموسيقية إلى جمل مفهومة ومسموعة عند أطفال لا يعرفون أصلا أن في الدنيا شيئا اسمه الموسيقى. كم كان جميلا مشهدهم وهو يتمايلون ويلوحون بكفوفهم على أنغام بليغ حمدي والسنباطي ومحمد فوزي. إنها لم تخلق لهم جوا طفوليا بسيط المعاني لتريح نفسها من الوعد الشاق، بل انتقلت بهم إلى عوالم بمنتهى الرقة والجمال، في صورة لم نر مثيلا لها في العالم من قبل. نعم شاهدنا أطفالا معاقين حركيا يرقصون الباليه وآخرين فقدوا بصرهم يرسمون ويكتبون، إنما أن يسمعوا الموسيقى ويتفاعلوا معها فهذا أمر مختلف.
وليس بعيدا عن سوار، تخرج عهد التميمي الصبية الفلسطينية المقاومة من سجون الاحتلال، بعد أن قضت أكثر من ثمانية أشهر ظلماء ظالمة، اعتدت على طفولتها وروحها، من دون أن تخلف وراءها أضرارا جسيمة، فقط لأن الشابة المقاومة، عرفت كيف تصنع من صمودها العظيم ابتسامة جميلة، تغيظ بها السجن والسجان. ومثلها مثيلات ما يزلن يقبعن في سجون ومعتقلات العدو، يرابطن بأناشيدهن الملائكية خلف الزنازين، ويربطن على قلوبهن بالدعاء والأمل وحب الحياة.
وأخيرا يجب التنويه إلى أن القصص الثلاث حدثت، أثناء تصدر "تحدي كيكي" متابعات ملايين أخريات، يعشن على الكوكب نفسه!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تطور غريب..!!! (" محمد مشهور" شمس الدين)

    الثلاثاء 31 تموز / يوليو 2018.
    قضايا إنسانيه بحته، تنم على الخلق والقيم والسلام ، مقابل " مفاهيم صرعة الكيكي"... اين شبابنا وفتياتنا من تلك القيم .. للأسف