هل تنطوي إسرائيل على رغبة في الموت؟

تم نشره في الاثنين 30 تموز / يوليو 2018. 11:00 مـساءً
  • طفل فلسطيني يطل من نافذة منزله في مخيم في غزة - (أرشيفية)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

جيريمي سولت* - (ذا بالستاين كرونيكل) 23/7/2018

من المدهش أن تشاهد شخصاً يدق المسامير في نعش وهو يظنُّ أنه لشخصٍ آخر، ولا يدرك أن هذا النعش ربما يكون له هو. وكانت أحدث المسامير التي دُقت في نعش قضية فلسطين المحتلة هي، قانون الدولة القومية اليهودية؛ وحظر تواجد أي شخص يكون منتقداً لما تُدعى "قوات الدفاع الإسرائيلية" للتدريس في غرف الصفوف وقاعات المحاضرات؛ والتشريع الذي تجري مناقشته حالياً والذي سيسمح للمجتمعات اليهودية بمنع "العرب" من العيش بينها.

لم يتم في أي وقت تعريف إسرائيل كدولة لمواطنيها، لأن ذلك سيعني وجوب اشتمال الفلسطينيين وإدماجهم. ولعل التغيير الوحيد الذي حدث الآن هو أن ممارسات التمييز المستمرة تم ترسيخها الآن في القانون.

لكن هذا القانون يظل زائفاً على كل حال. ليس هناك "شعب" يهودي من الأساس، ناهيك عن وجود "أمة" يهودية. وفي الحقيقة، هناك مجتمعات يهودية موجودة في كل أنحاء العالم، لكنها منفصلة عن بعضها بالعِرق، واللغة، والتاريخ، والثقافة، ولا يجمعها سوى خيط الدين الرفيع. ولم يصوِّت هؤلاء ليكونوا جزءاً من هذا الجيب، "الدولة القومية"، التي صنعها المستوطنون في قلب الشرق الأوسط، والتي سيصوت الجميع تقريباً، من دون أي شك، ضدها.

لم يكن اليهود شعباً أو أمة بأكثر مما قد يصف المرء المسلمين بأنهم شعب أو أمة، ولو أن إليجاه محمد حاول مثل ذلك مع "أمة الإسلام". كما أن الدول الحديثة هي دول لكل مواطنيها، بغض النظر عن الدين أو العِرق.

بالنظر إلى أن دولة المستوطنين الصهاينة لا تعتبر نفسها دولة لكل مواطنيها، وإنما تعرِّف نفسها الآن كدولة قومية يهودية، والتي تعطي الأولوية لليهود الإسرائيليين واليهود من كل مكان في العالم، فإنه لا يمكن اعتبارها، دستورياً، دولة حديثة، وإنما هي بدلاً من ذلك مجرد ارتداد رجعي إلى أوقات أكثر بدائية.

كان الذي دفَع بهذا القانون هو بنيامين نتنياهو، من قطيع المستوطنين البولنديين، وابن بنزيون نتنياهو، الذي كان قد عمل سكرتيراً خاصاً لفلاديمير جابوتنسكي. وقد آمن الأب والابن كلاهما بتطبيق عقيدة "الجدار الحديدي" التي وضعها جابوتنسكي ضد الشعب الأصلي في فلسطين.

كان الفلسطينيون دائماً شعباً حقيقياً، من أناس لا يرتبطون معاً بالدين فحسب، وإنما يرتبطون بالثقافة، واللغة، والجغرافيا والتاريخ المشترك الطويل. ولو كان الصهاينة قد اختاروا الاستقرار بينهم، بدلاً من السعي إلى اقتلاعهم؛ ولو أنهم لم يختاروا بدلاً من ذلك طريق التمييز، والفصل، والاستثناء، مدعومة بالعنف الهائل، لكانوا قد أصبحوا جزءاً من شعب حقيقي.

بدلاً من ذلك، ظلت دولة المستعمرين الصهاينة غرسة اصطناعية عنصرية، بتشابهات أيديولوجية مع ألمانيا النازية وجنوب أفريقيا العنصرية. وهي لا تعيش وتستمر بالقانون أو العدالة أو الأخلاق، وإنما بالقوة الوحشية.

سوف يقرر "وزير الثقافة"، نفتالي بينيت، زعيم حزب "البيت اليهودي" الفاشي، مَن هو الشخص المناسب للتعليم في المدارس أو الجامعات. وبينيت معروف بتبجحه الشهير: "لقد قتلتُ الكثير من العرب في حياتي، وما من مشكلة في ذلك".

مع ذلك، في العام 1996، وخلال عملية "عناقيد الغضب" في جنوب لبنان، كان هذا المحارب الذي لا يخاف، محاصراً في الزاوية على يد حزب الله، ويصرخ بهستيريا من الخوف، والذي استدعى غارة جوية أسفرت عن مقتل أكثر من 100 من المدنيين الذين يحتمون في معسكر للأمم المتحدة في قانا. وبينيت، الأكثر تطرفاً حتى من نتنياهو، والتطرف تراث في القيادة الصهيونية، هو مستوطن من أصل أميركي.

المستوطنون الذين يريدون أن يكون الفصل العنصري مكرساً في القانون لا يختلفون عن الألمان الذين لم يريدوا العيش مع اليهود في الثلاثينيات، والأميركيين الذين لم يريدوا العيش مع "الزنوج"، والمستوطنين البيض في جنوب أفريقيا الذين لم يكونوا يريدون العيش مع السود.

بطريقة أكثر عملية، أصبحت إسرائيل الآن غيتو في الشرق الأوسط. وقد عزلت نفسها بالأسيجة والجدران، ضد غزة، وضد مصر، وضد سورية ولبنان وضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.

كما أن الغيتو أيضاً دولة قلعة، مسلحة حتى الأسنان، ذات سجل مُثبت في تدمير أي أحد يقف في طريقها. ويهدِّدُ ساستها باستخدام العنف كلّ يوم عملياً. وقد قصفت لتوها غزة مرة أخرى أيضاً لإيقاف الطائرات الورقية التي تحمل معدات حارقةٍ صغيرة وتطير فوق السياج.

وهدف هذه الطائرات رمزي: جعل الصهاينة يعرفون أنهم مهما يفعلون، فإن المقاومة الفلسطينية سوف تتواصل. ومع ذلك، يتصرف الصهاينة كما لو أنهم يُضربون بوابل هائل من الصواريخ. وكل تفصيل، كل خدش في التراب حيث تسقط هذه المقذوفات، يتم تقديمه إلى العالَم كدليل إضافي على الظلم الفلسطيني.

وينطبق الأمر نفسه على الصواريخ الحقيقية التي تُطلق من فوق السياج. وهي بدائية، لا تكاد تُلحق ضرراً، ونادراً ما تقتل أحداً، ومع ذلك، دَع واحداً منها يهبط قرب منزل أو فناء، وسوف تتصرف الدولة الصهيونية كما لو أنها تحت هجوم عكسري شامل وهائل واسع النطاق.

يجري استغلال التداعيات على اليهود الصهاينة في الجانب الآخر من سياج غزة إلى أقصى الحدود. ويتم عرضه المستوطنين وهم مختبئون في الملاجئ من الغارات الجوية. ويعرضون شخصاً ما مصاباً بنوبة هلع، وآخرين يعانون من "جروح سطحية" -أي من خدوش أو جروح صغيرة- وهناك يعرضون حفرة في الطريق. هذا هو أقضى مدى للضرر، لكن إسرائيل تذهب مباشرة إلى الهجوم، وتتذرع بإنها تُركت بلا خيار سوى الهجوم. 

المصدر الحالي الرئيسي للتهديدات الخطابية بشن حروب جديدة، هو ما يدعى "وزير الدفاع"، وهو مهاجر مولدوفي يدعى أفيغدور ليبرمان، والذي تدريبه الوحيد في الدفاع هو الوقت الذي قضاه في العمل كحارس في ملهى ليلي في حياته السابقة. ويقول ليبرمان إنه ليس هناك مدنيون أبرياء في غزة، وبذلك يبرر السابق واللاحق من وفياتهم على أيدي قوات الاحتلال.

يقع مسكن ليبرمان الحالي في مستوطنة نوكديم في الضفة الغربية، حيث يعيش مع زوجته المولدوفية. وكان موطنه قبل أن يقرر الانضمام إلى احتلال فلسطين في العام 1978، هو كيشينيف، حيث وقعت مذبحة في العام 1903 ودفعت اليهود إلى الهروب نحو الشرق. ويا لها من انعطافة في تاريخ رجل كان قد نشأ في بلدة معروفة بتعرض سكانها لمذبحة في العام 1903، ليكون مشاركات الآن في سياسات المذبحة في فلسطين المحتلة.

إذا لم تكن "إسرائيل" هي الدولة القومية لمواطنيها، فإنها ليست أيضاً "دولة قومية" للشعب اليهودي، على الرغم من صدور القانون الأخير. وبشكل متزايد، ينآ اليهود في كل أنحاء العالم بأنفسهم عن هذه الدولة وعن أيديولوجيتها. وهم لا يريدون أي جزء منها. وينظرون إليها بما هي عليه في حقيقتها، ليس فقط كدولة وحشية تأسست على السرقة والاحتلال، وإنما كلعنة على اليهودية أيضاً.

كما أن إسرائيل ليست ديمقراطية. إن الديمقراطية لا تتأسس على الطرد السابق لأناس لهم الحق في العيش والتصويت داخل حدودها الإقليمية. ومع ذلك، لم تكن لدى الصهاينة أبداً نية تأسيس ديمقراطية في فلسطين، سوى للأغراض الدعائية فحسب. ولم تكن إسرائيل أبداً تُفهَم بأنها غير ما هي عليه، "وطن قومي" حصري لليهود في قلب الشرق الأوسط. 

يُبرز مثالان حديثان اضمحلال إسرائيل القانوني والأخلاقي. أحدهما هو الإفراج من الاحتجاز، وليس من السجن، عن القاتل إيلور أزيرا، الذي سار إلى فلسطيني جريح مطروح على الأرض في شارع في الخليل، وأطلق عليه النار في رأسه.

وقد تفاقمت الطبيعة الوحشية لهذا العمل بحقيقة أن أزيرا كان يخدم في الضفة الغربية كمسعف طبي، كرجل مكلف بإنقاذ الحياة، وليس بإنهائها ببندقية هجومية.

اتُهِم أزيرا بالقتل غير العمد. وكانت محاكمته مسرحية هزلية، والتي انتهت بإطلاق سراحه بعد تسعة أشهر فقط من "السجن" في قاعدته العسكرية. وبطبيعة الحال، عندما عاد إلى الخليل، استقبله المستوطنون المتعصبون الذين لديهم سجلهم الدموي الخاص من القتل والتحريض، استقبال الأبطال.

المثال الثاني هو محاكمة اثنين من المستوطنين من "شباب التلة" عن قتل عائلة الدوابشة، سعيد، وزوجته ريهام وابنهما الرضيع، علي، الذي كان عمره 18 شهراً فقط، في العام 2015. وقد نجا الطفل الآخر، بعمر أربع سنوات، وإنما مصاباً بحروق بنسبة 60 في المائة من جسمه، والتي حدّت بشدة من قدرته على الحركة، في أعقاب الهجوم الوحشي الذي تعرض له بيت الأسرة في قرية دوما في الضفة الغربية.

أفرجت المحكمة الآن عن الأصغر من المتهمَين، وهو حدث، ولذلك لَم يُذكَر اسمه، على أساس أن اعترافاته استُخلصت تحت التعذيب على يد محققي جهاز المخابرات الداخلية، الشين بيت. ولم يتم اتهامه مطلقاً بالقتل، وإنما بتهمة تواجده في مكان الحادث فقط، والذي قالت "مصادر أمنية" أنه لم يتم إثباته في المحكمة على أي حال. وقد تم إرساله إلى بيته ليكون تحت "الإقامة الجبرية".

وعلى الأسس نفسها، حكمت المحكمة أيضاً بعدم قبول بعض الاعترافات التي أدلى بها المتهم الآخر، عميرام بن أوليل، 21 عاماً، وهو ابن حاخام كان مرتبطاً بمستوطنة ميغرون "غير القانونية" التي تم تفكيكها في الضفة الغربية، والتي كان قد أسسها المستوطن المتعصب من أصل أميركي، دانييل فايس.

وهناك، اختلط مع مئير إيتينغر، حفيد المؤسس القاتل لحركة كاخ، مئير كاهانا، والذي كان يعتقد -مثل نتنياهو- بأن إسرائيل يجب أن تكون ديمقراطية لليهود فقط.

وقال بن أوليل إن اعترافه كان "قائماً على الافتراض"، وأنه أدلى به فقط تحت الصفع والضرب اللذين تلقاهما من المحققين. ومع أنه ليس هناك أي شك في أنه ارتكب هو وشريكه جرائم القتل هذه، فإن حكم المحكمة يجعل من المرجح أن تصل الأمور إلى تبرئة بن أوليل.

إن الادعاء بأن إسرائيل، برفضها الاعترافات التي يُزعم أنها انتُزعت تحت التعذيب، إنما تسير على طريق الحقيقة، هو زعم مضلل. وقد حرص القاضي على إعلان أن مثل هذا الحكم لا يجب أن يُعتبر سابقة، تاركاً الطريق مفتوحاً للمحاكم حتى تستمر في رفض ادعاءات المتهمين الفلسطينيين بأن اعترافاتهم انتُزعت منهم تحت التعذيب، وهو ما سيكون في حالتهم أكثر احتمالاً بكثير لأن يكون صحيحاً.

خارج المحكمة، وخلال آخر جلسات الاستماع في القضية المرفوعة ضد بن أوليل، والتي انعقدت في حزيران (يونيو)، تجمع أصدقاؤه من المستوطنين لكي يهتفوا لحسين الدوابشة، والد ريهام، وجد الطفل علي، بينما يغادر جلسة المحكمة: "أين هو علي؟ ليس هناك علي. علي يحترق. علي موضوع على الشوّاية".

وفي أيار (مايو)، كان المستوطنون قد شنوا هجوماً متعمداً آخر في دوما، هذه المرة على منزل عضو آخر من العائلة، ياسر الدوابشة. وتم إلقاء قنبلة حارقة داخل المنزل عبر النافذة، وتمكنت العائلة، الزوج والزوجة وأربعة أطفال، من الهرب فقط عندما تمكن ياسر من فتح ثغرة بقدمه في حائط من ألواح البلاستيك.

على المرء أن يتساءل عن النفسية الكامنة وراء كل هذا. لم يعد ثمة شيء كبير يمكن أن تفعله دولة المستوطنين الصهيونية لتجعل نفسها مكروهة أكثر من هذا في كل أنحاء العالم. هل تنطوي على رغبة في الموت؟ هل تسمع صوت المسامير التي تُدق في النعش وتقف لتفكر مرة أخرى فيمن هو الذي سوف يوضع فيه؟

 

*عمل في التدريس في جامعة ملبورن، وفي جامعة البوسفور في إسطنبول، وجامعة بيلكينت في أنقرة لسنوات عدة، وهو متخصص في التاريخ الحديث للشرق الأوسط. من بين أحدث منشوراته كتابه الصادر في العام 2008 "تفكيك الشرق الأوسط"، و"تأريخ للفوضى الغربية في الأراضي العربية"، (مطبعة جامعة كاليفورنيا).

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Does Israel Have a Death Wish?

[email protected]

التعليق