مع نمو عدم المساواة ينمو النفوذ السياسي للأثرياء

تم نشره في الأربعاء 1 آب / أغسطس 2018. 11:00 مـساءً

ترجمة: ينال أبو زينة

إن ضغط نسبة الـ1 % يجب أن يكون الشيء الأكثر طبيعية في العالم بالنسبة للسياسيين الساعين إلى إرضاء الجماهير.
ومع ذلك، مع بعض الاستثناءات، فإن متمردي اليوم الحمائيين أكثر اهتماما بالهجرة والسيادة من المعدلات الأعلى لضريبة الدخل وقطع الارتباط هذا ربما يكون أكثر من مجرد أمر شاذ، فقد يكون إشارة إلى التأثير الفاسد لإنعدام المساواة على الديمقراطية.
وقد تفترضون بشكل منطقي أنه كلما كانت مؤسسات الدولة ديمقراطية أكثر كلما توجب عليها تخفيف دعمها لعدم المساواة ويعني ازدياد مستويات عدم المساواة أن المصادر تتركز في أيدي القليل من الشعب؛ وينبغي للأغلبية التي تركت بحصة متناقصة من الدخل القومي أن تتغلب في التصويت على هذه الفئة الصغيرة بواقع الحال.
وفي الحقيقة، يعتقد بعض علماء الاجتماع أن التوسع التاريخي لهذا الامتياز يأتي من سعي الحكومات خلف سبل موثوقة لطمأنة المصوتين بأن الموارد ستتوزع بعدالة أكبر.
ويقول كل من دارون أكيم أوغلو وجيمس روبنسون بأن حكومات القرن التاسع عشر عبر الغرب بأكمله واجهت تهديد الثورة الاشتراكية ولم تكن الوعود بزيادة إعادة التوزيع كافية للحد من هذه التهديدات، بل كان هناك حاجة إلى ضمانات مؤسسية.
ويقول الخبيران أن تقديم ضمانات موثوقة تعني زيادة عدد السكان الذين أجيز لهم التصويت ويقول باحثون آخرون أن المؤسسات المناهضة لهذه الأغلبية المتأصلة في النظم الديمقراطية، مثل "مجلس اللوردات البريطاني" و"الكلية الانتخابية الأميركية"، كانت مدعومة من النخب لأنها ظهرت وأنها ليس بسبب احتمال أن تقود إلى الخروج بسياسات أفضل، وإنما لأنها خدمت في التحقق من اتجاهات المساواة لدى الجماهير.
ولكن الدراسات التي أجريت على العلاقة بين الديمقراطية ومستويات عدم المساواة تشير إلى اتجاهات متضاربة.
ويجيب السيدان أكيم أوغلو وروبنسون على هذا السؤال في ورقة بحثية أخرى، كتبت بالمشاركة مع سوريش نايدو وباسكال ريستريبو.
وخلص جميع هؤلاء الباحثين إلى أن الديمقراطيات ترفع الضرائب أكثر مما تفعل غير الديمقراطيات ولكن هذا لا يترجم بشكل موثوق إلى مستويات أدنى من التفاوت في الدخل.
ويكمن أحد الأسباب المحتملة لهذا الانقطاع في العلاقة في أن الناس لا يهتمون كثيرا بانعدام المساواة، أو يريدون من سياسييهم القيام بشيء حيال ذلك.
ومع ذلك، تقترح نتائج الدراسات الاستقصائية ما يخالف ذلك فعندما سئلوا من القائمين على استطلاع الرأي، أعرب ما نسبتهم ثلثي الأميركيين والأوروبيين عن مخاوف حول المستويات الحالية لعدم المساواة.
وبدلا من ذلك، ربما تكون عجلات الديمقراطيات الغربية المُدمَّرة متعطلة إلى حد يصعب معه إحراز تقدم في أي مسألة جوهرية، سواء تمثلت في عدم المساواة أو أي مشكلة مستمرة أخرى.
ولكن هذه الإجابة ليست كافية وافية أيضا فقد شهد العالم الثري تحولات سياسية كبيرة خلال العقد الماضي.
وتمكنت الحكومة الأميركية خلال العام الماضي من إحداث تغيير كاسح في الضرائب – والذي تمثل في الميل إلى توزيع الدخل حتى بشكل أكبر لمصلحة الأثرياء.
وفي دراسة صدرت مؤخرا حول السياسات الأوروبية، وجد كل من ديريك إب وإنريكو بورغيتو أن الأجندات السياسية في أوروبا أصبحت أقل تركيزا على إعادة التوزيع حتى مع ارتفاع معدلات عدم المساواة. وعلى الرغم من ارتفاع عدم المساواة وقلق العامة حولها، يبدو السياسيون وأنهم أقل اهتماما بالتصدي للمشكلة.
ويعتقد السيدان إب وبورغيتو أن هناك تفسيرا محتملا آخر يجب النظر فيه وبدلا من زيادة الضغط على السياسيين بشكل مباشرة من أجل القيام حتى يتم إحداث تغيير فيما يتعلق بتوزيع الدخل غير العادل، فهم يقترحون أن ارتفاع معدلات عدم المساواة يمكن أن يزيد نفوذ الأثرياء، مما يتيح لهم مواجهة الإرادة الشعبية.
وتعطي الأبحاث في مجال العلوم السياسية جوهر انطباع أن الأثرياء الأميركيون يتمتعون بنفوذ هائل ووجدت دراسة تتعلق بالتفضيلات السياسية لهؤلاء الذين يتمتعون بثروةً من 40 مليون دولار أو أكثر، قام عليها كل من بنجامين بيج ولاري باتريلز وجيسون سيرايت، أنهم يفضلون بأغلبية ساحقة تخفيض الإنفاق على برامج الرئيسية لشبكة الأمان الاجتماعي.
(وبواقع الحال، فإن الجمهور العام يرغب بزيادتها). وهم ينخرطون أيضاً بشكل أكبر سياسياً من الأميركيين العاديين: بحيث يملكون في الغالب اتصالا اعتياديا مع المسؤولين المنتخبين، على سبيل المثال، ونفوذ تمويل الحملات الإنتخابية مباشرةً.
وقد وجد تحليل لتبرعات الحملات، أجراه لي دروتمان، أن أقل من 30 ألف شخص يمثلون ربع مجموع التبرعات السياسية الوطنية وأكثر من 80 % من الأموال التي جمعها من قبل الأحزاب السياسية.
وبالكاد تقتصر العلاقة بين الثروة المركزة والنفوذ السياسي للأثرياء على الانفاق السياسي.
ولدى الأثرياء أيضاً الكثير من الوسائل لتشكيل الرأي العام: على سبيل المثال، من خلال تمويل المراكز الفكرية السياسية اسميا أو شراء وسائل الإعلام.
وعلى الرغم من إمكانية استخدام نفوذهم للتأثير في نتائج تصويت بعينه، فهي عادة ما توظف بمهارة أكبر من أجل تشكيل الروايات الشعبية حول المشاكل التي تتطلب اهتماماً حثيثاً.
وقد حلل كل من السيد إب وبورغيتو مشاريع القوانين التي عُرضت على مجالس برلمان 9 دول أوروبية بين العامين 1941 و2014. وقد وجدوا أن ارتفاع معدلات عدم المساواة ارتبط بالأجندات السياسية التي ركزت أكثر على المسائل ذات العلاقة بالـ"النظام الاجتماعي"، مثل الجريمة والهجرة.
وقد تم التملص من مسائل مثل العدالة الاجتماعية في أكثر من مناسبة. وهم يعزون ذلك إلى "قوة الأجندة السلبية" للأثرياء. ومع إزدياد ثرواتهم، فقد اصبحوا بلا شك يملكون قدرة أكبر على الضغ على السياسيين من أجل التركيز على بعض المواضيع بدلاً من أخرى.
المد المتصاعد يرفع جميع الأصوات
إن الدليل على أن الثروة المركزة تسهم في تركيز السلطة أمر مقلق وهو يقترح أن تخفيض معدلات عدم المساواة يصبح أقل احتمالا حتى وإن أصبح أكثر إلحاحا.
وهو يوحي بأن الحلقة المفرغة لعدم المساواة المتنامي ربما تكون آخذة في التطور، مع خسارة المساءلة الديمقراطية بوصفها أثرا جانبيا سيئا ويقول بعض علماء الاجتماع أن هذه، في الواقع، هي الحال التي تمضي عليها الأمور.
وفي منشورات "ذا غريت ليفيلير" العام الماضي، كتب وولتر شيديل أنه، خلال التاريخ البشري، لا بد لعدم المساواة بأن ترتفع حتى تفضي إلى كوارث مثل الحرب والثورات.
وهذا أمر يبعث على التشاؤم بلا شك فالأثرياء أصحاب نفوذ، ولكنهم ليسوا أقوياء إلى أقصى حد، أو موحدين في تصميمهم على الإبقاء على سياسات التوزيع خارج جدول الأعمال وما تزال الديمقراطيات الغربية تعمل وفي حال جرب القادة السياسيون الأمر، فقد يجدون أن إعادة التوزيع للثروة هي الورقة الرابحة في صندوق الاقتراع.

"الإيكونوميست"

التعليق