قانون ضريبة الدخل: تحدٍ وفرص

تم نشره في الأربعاء 1 آب / أغسطس 2018. 11:05 مـساءً

التحدي الرئيس الذي يواجه الحكومة اليوم بعد الثقة، هو إنجاز قانون ضريبة الدخل، الذي يُعدّ الاستحقاق الأهم، والاختبار الحقيقي للحكومة، وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها، وتنفيذ ما ورد في كتاب التكليف.
الحكومة السابقة لم تكن قادرة على تسويق القانون، لأنه تتويج لقرارات اقتصادية تقشفية متراكمة، فكان الشعرة التي قصمت ظهر البعير، إضافةً لأنها لم تقم بإجراء الحوارات المطلوبة للخروج بقانون متوازن وتشاركي، وشعر الجميع بأن الحكومة تريد أن تفرض قانوناً تم إعداده من قبل صندوق النقد الدولي.
أغلب الاقتصاديين يقرّون بأن القانون الحالي يعاني من ثغرات كبيرة قد يكون أهمها ضعف الإدارة الضريبية، وعاء ضريبي صغير، وثغرات تؤدي لتهرب ضريبي كبير يقدر بمئات الملايين من الدنانير سنوياً.
من معايير الحكم على الدولة المدنية هي قدرتها على تحصيل الضرائب بعدالة، والعمل على إعادة توزيع الدخل والثروة من خلال الخدمات التعليمية والصحية والبنية التحتية وبعدالتها أيضاً، ولكن وأخيراً، وهذا مهم، الإنفاق حسب الأولويات العامة وبشفافية كاملة، لأنها خاضعة للمراقبة والمحاسبة من جانب الهيئات المنتخبة. هذا يعني أنه لا يمكن فصل الإصلاح الضريبي دون تقديم الخدمات للمواطنين بالمقابل، وبدون إصلاح سياسي ينطوي على المشاركة الفعلية، والمساءلة للجهات التنفيذية.
الحكومة الحالية تدرك ذلك جيداً، وشرعت مبكراً بحوارات مكثفة ومعمقة وواسعة يقودها نائب رئيس الوزراء السياسي والاقتصادي المخضرم د.رجائي المعشر، إضافةً الى الفريق الاقتصادي .
هنالك عقبات عدة يجب على الحكومة مواجهتها وأخذها بالحسبان، أهمها:
أولاً: التغلب على مقاومة ذوي الدخول المتوسطة والعليا، التي سوف تقاوم زيادة نسبة الضريبة على الدخول المرتفعة. بالرغم من أن مشروع القانون يعدّ تطبيقاً لمبدأ تصاعدية الضريبة الذي نص عليه الدستور، إلا أنه يواجه مقاومة شديدة. ثانياً، ضبط مسألة التهرب الضريبي، التي لا تعني فقط عدم الإفصاح عن كامل الدخل من جانب المؤسسات والأفراد المسجلين حالياً بالضريبة، ولكن أيضاً قد يكون الأهم هو الفئة من أصحاب المصالح والمنشآت الصغيرة والمتوسطة غير الخاضعين أصلاً لا لضريبة الدخل ولا لضريبة المبيعات، وهذه تشكل الشريحة الأكبر من الفئات المتهربة. لذلك، فإن التحدي الكبير هو في آلية إخضاع هذه الشرائح للضريبة بنوعيها، علماً بأن جزءاً من هذه الشريحة هي منظمة، ولديها الإمكانية لتحريك الشارع ضد القانون. ثالثاً، إعادة هيكلة دائرة ضريبة الدخل والمبيعات، وتمكينها وتبسيط الإجراءات، وقطع السُبل للواسطة أو المحسوبية بها.
رابعاً، مراعاة أن توسيع الوعاء الضريبي لا يطال الفئة الدنيا من الطبقة الوسطى على الأقل في الفترة الحالية، نتيجة للظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها هذه الشرائح، والأعباء التعليمية والصحية والمواصلات التي تستهلك جزءاً كبيراً من دخلها.
خامساً، إن مشروع القانون الجديد يزيد من الأعباء الضريبية المتعددة التي يدفعها المواطنون، وحتى المؤسسات، وقد يؤدي الى الدخول في مرحلة الإجهاد الضريبي، التي تعني أن الذين يدفعون ضريبة سوف يدفعون أكثر لما لذلك من آثار سلبية على المواطنين والاقتصاد بشكل عام.
هذه التحديات ليست بسيطة، ولكن يمكن تجاوزها إذا تم إخراج القانون ضمن حزمة متكاملة تعالج هذه التحديات، ومنها:
أولاً: إعادة التوازن بين ضريبة الدخل وضريبة المبيعات، والنظر في تخفيض أو إلغاء ضريبة المبيعات على السلع التي تم رفعها من الحكومة السابقة.
ثانياً: الإعلان بالتزامن عن حزمة القرارات أو التوجهات في زيادة الإنفاق، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية وبرامج مكافحة الفقر والبطالة.
ثالثاً : الإعلان عن عفو عام ضريبي للمكلفين، أفراداً وشركات، بصرف النظر عن الأسباب، ويقتصر الإعفاء على غرامات التأخير والفوائد المترتبة على التأخير، وليس المبالغ الأصلية المترتبة للضريبة.
رابعاً: إعادة النظر بصلاحيات مجلس الوزراء بالإعفاءات الضريبية التي يمنحها المجلس، على أن يتم وضعها في قانون بعد إخضاع التجربة السابقة للمراجعة والتقييم.
هذه الإجراءات كفيلة بتعزيز الثقة بالحكومة. وعليه، تحويل التحدي الأكبر الى فرصة وبداية جديدة في إدارة الملف الاقتصادي برمته.

التعليق