إدارة الأسرة في القرآن الكريم

تم نشره في الخميس 2 آب / أغسطس 2018. 11:00 مـساءً

د. أحمد ياسين القرالة

منهج الإسلام وطريقته في الحياة أن لا يبقى الناس فوضى لا قيادة لهم؛ لأن ذلك يؤدي إلى الاضطراب، وبعثرة الجهود، واختلال الصلاحيات، فالقيادة لابد منها لأي تجمع مهما كان صغيراً، فالصلاة لا بد لها من الإمام، والإمام مؤتمن، والسفر لا بد له من أمير يدير الأمور، لقوله عليه السلام "إِذَا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فِي سَفَر فَأَمِّرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدَكُمْ".
ولما كانت الأسرة من مؤسسات المجتمع، تحتاج إلى إدارة وتوجيه، كان لا بد لها من قيادة تقودها وتوجهها حتى تؤدي دورها وتحقق رسالتها، ويعبر القرآن الكريم عن هذه القيادة بالقوامة، التي يتولاها الزوج، فقال تعالى "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء".
وقد أدى الخلل في مفهوم قوامة الزوج على زوجته وحدود هذه القوامة إلى مشاكل خطيرة في داخل الأسرة، كما نتج عن سوء فهمها وتقديرها كثير من مظاهر العنف المادي والمعنوي تجاه الزوجة، الذي يؤدي إلى غياب الاستقرار ويعمل على  ضياع الأسرة وتفككها.
فعندما يشعر الزوج بأنه قوام على المرأة وهو لا يدرك حدود هذه القوامة قد يدفعه ذلك إلى التعسف في معاملة زوجته، ومعاقبتها على خروجها على حد القوامة الذي يعتقده؛ لذلك كان من المهم جداً توضيح معنى القوامة وبيان حدودها بطريقة سليمة.
لم يكن تكليف الزوج بالقوامة أمراً اعتباطياً أو ارتجالياً، وإنما كان بناء على مؤهلات ومقومات أهلته لذلك، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى "الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ"، فالآية الكريمة عللت استحقاق الزوج للقوامة بأمرين:
الأول أهلية الزوج لهذا العمل وأفضليته على المرأة، وهو ما عبر عنه رشيد رضا بالمؤهل الفطري؛ إذ من المعلوم أن مضمون القوامة هو إدارة الأسرة وتسيير شؤونها بشكل سليم، وهذا يستلزم تغليب الجوانب العقلية التي تتصف بالحزم والقدرة على تحقيق التوازن بين الأمور بعيداً عن ضغط العاطفة وجموحها، ومن المعلوم أن الرجل يتميز عن المرأة بهذه الجوانب، وهذا لا يعني أنه أفضل منها أو أحسن، أو أن عقله ودينه أكمل وأتم منها كما ذهب إليه ابن العربي، فالآية الكريمة قالت "بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ"، ولم تقل بِمَا فَضَّلَ اللّهُ الرجال على النساء، فهو كما تميز عنها بهذا الأمر، تميزت هي عنه بالعاطفة الجياشة التي ترعى الولد وتتابع شؤونه وتصبر عليه؛ لذلك فضلت عليه في موضوع الحضانة، فبين الزوجين تفاضل في المواهب والمدارك، ومن مجموع هذا التفاضل يحصل التكامل في الحياة الأسرية، فالتفضيل هنا نسبي باعتبار المهمة التي يقوم بها كل منهما، فليس هو التفضيل المطلق الذي ذهب إليه بعض المفسرين كابن كثير.
الأمر الثاني: الأعباء المالية التي يتحملها الزوج من مهر ونفقة لها وللأولاد، فالقوامة إذن حسب النص القرآني مغرم وليست مغنماً، فهي قوامة التكليف والمسؤولية وليست قوامة التشريف والوجاهة.
وفي هذا يقول القرطبي: فهم الجمهور من قوله "وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ"، أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قواماً عليها، وإذا لم يكن قواماً عليها كان لها فسخ العقد لزوال المعقود الذي شرع لأجله النكاح، وفيه دلالة واضحة من هذا الوجه على ثبوت فسخ النكاح عند الإعسار بالنفقة والكسوة.
ونتيجة لذلك، فإن الزوج إذا اعتبر القوامة مسؤولية وزيادة نظر، وهي عبء إضافي مضاف إلى بقية أعبائه في الحياة؛ فإنه يتعامل مع هذا الحق بوجل مستشعراً المسؤولية الكاملة في أي قرار يتخذه أو أي تصرف يقوم به، فهو يعلم أنه ليس مسؤولاً عن نفسه فقط، بل يحمل من العبء الكبير ما يجعله يسعى دائماً إلى مشورة شريك حياته في كل أمر، فلا ينفرد برأي ولا يستقل بقرار إلا بعد أن يأخذ رأي أفراد الأسرة وفي مقدمتهم الزوجة لقوله تعالى "وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ"، فهي قوامة تقوم على الشورى، ليس فيها طغيان ولا استبداد.
وقد كان النبي عليه السلام خير تعبير عن هذه القوامة؛ حيث كان عليه السلام يخدم نفسه بنفسه ويعاون أهله ويقوم على شؤونهم، فقد روت السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يكون في مهنة أهله فإذا سمع الأذان خرج.
وسئلت ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في بيته؟ قالت: كان بشراً من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه.
وهذا يؤكد أن القوامة الزوجية ليست قوامة التجبر والاستعلاء، بل هي قوامة المودة والسكينة والرحمة.

التعليق