عمران خان: الشعبوي الذي انتصر في باكستان

تم نشره في الخميس 2 آب / أغسطس 2018. 11:00 مـساءً
  • رئيس الوزراء الباكستاني الجديد، عمران خان، يخاطب أنصاره في تجمع شعبي -(أرشيفية)

عمر واريش* - (الأتلانتيك) 27/7/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

إسلام أباد، باكستان- أخيراً، أصبح عمران خان رئيساً لوزراء باكستان. وبعد فوزه بأعلى عدد من المقاعد في البرلمان في انتخابات الأسبوع الماضي، أصبح أسطورة الكريكيت ورجل الأعمال الخيرية السابق مهيأ الآن للشروع في تشكيل حكومة وطنية، وربما حكم اثنين من أقاليم باكستان الأربعة، وهو ما يجعله الزعيم المدني الأكثر قوة في باكستان منذ عقود. ويشكل هذا الفوز انقلاباً ملحوظاً في حظوظ خان، الذي كان لعقود موضعاً لسخرية خصومه الذين وصفوه بأنه شخص ساذج وعديم الخبرة، والذي يحرص على إدامة شهرته فحسب. ومع ذلك، ظل خان مصمماً، وقال لي قبل سنتين: "إنني دائماً أقاتل حتى الكُرة الأخيرة".
نال خان مكانة خاصة في قلوب الباكستانيين في العام 1992، عندما قاد فريق الكريكيت الوطني إلى الفوز في كأس العالم لهذه اللعبة. وفي بلد حيث يمكن أن تصل العواطف تجاه الكريكيت إلى الحماس شبه الديني، يُنظر إلى فريق الكريكيت كمجاز للحكومة: مليء بالإمكانات التي نادراً ما تتحقق، وإنما التي تحبطها القيادة البائسة والجشع المروع. وبعد كأس العالم للكريكيت، وتقاعُد خان، ظهرت مزاعم قاسية عن حدوث تلاعب بالكرات وبنتائج المباريات. وأفضى ذلك إلى اختزال أبطال الرياضة إلى مكانة الساسة الجشعين. واستذكر معجبو خان بأسى تلك الأيام المجيدة التي حمل فيها شارة قائد المنتخب؛ وهم يأملون الآن بأن يتمكن من عمل الشيء نفسه للبلد.
بطبيعة الحال، لا تشبه قيادة بلد حمل شارة القيادة في فريق للكريكيت. وباكستان بلد تصعب جداً إدارته وهو المبتلى بالكثير من الانقسامات الداخلية -وبعضها يمكن أن يتعمق بعد انتخابه. وخلال موسم الحملة الانتخابية، قال حزب رئيس الوزراء السابق، نواز شريف، الذي تم استبعاده من منصبه في العام الماضي وأصبح يقبع الآن خلف القضبان بتهم بالفساد، قال إن حزبَه حُرم من المنافسة في "ميدان لعب متساوٍ". وانتشرت تقارير تفيد بأن الجيش القوي في البلد -في خضم حماسه لمعاقبة شريف على سوء استغلال سلطته- قام بإهانة ومضايقة وإكراه المرشحين من حزبه على تبديل الأطراف، ومنعهم من خوض الحملة بحرية، وحرمهم من التغطية الإعلامية. وفي مؤتمر صحفي، قال مشاهد حسين، عضو مجلس الشيوخ من حزب الرابطة الإسلامية الباكستاني الذي يتزعمه شريف: "هذه لم تكن انتخابات، كانت انتقاءً. كانت أقذر انتخابات في تاريخ باكستان". وصدرت ادعاءات مماثلة عن تزوير الانتخابات عن أحزاب سياسية أخرى، بما فيها حزب الشعب الباكستاني، وعن مراقبين مثل بعثة حقوق الإنسان في باكستان.
ينظر خان إلى نفسه كشعبوي كلاسيكي؛ كسياسي يعارض طبقة فاسدة متدنية أخلاقياً من النخب. ويمتلئ خطابه بنداءات واسعة تخاطب العاطفة الدينية والقومية. ومثل الشعبويين الآخرين، عرض خان وعوداً غير قابلة للتحقيق بالتخلص من المشكلات المستوطنة. وقال متعهداً ذات مرة في تجمع سياسي: "سوف أضع حداً للفساد الكبير في 90 يوماً". وهو يطرح نفسه باعتباره البديل الوحيد المتاح عن نخبة سياسية حمقاء وغير كفؤة ومشتراة بالمال. ورسالة حزبه هي: لقد جربتم الآخرين –فلماذا لا تعطونه فرصة المحاولة هذه المرة؟ هذه اللهجة، التي كان تلقى القبول ذات مرة عند الطبقات الوسطى والنخب الحضرية فقط، جذبت الآن الدعم من مجموعة متنوعة بشكل مدهش من الناس، من نجوم السينما والبوب إلى المتشددين الدينيين؛ ومن رجال الأعمال الأثرياء إلى العمال المكافحين، ومن مالكي الأراضي الكبار إلى المزارعين المنهكين. لكن الكثيرين يشككون في قدرة خان على توحيد مثل هذا الائتلاف غير المتناغم من المؤيدين بينما يفي بأجندته السياسية الطموحة، ويتجنب الانجرار إلى الديماغوجية الصريحة التي انغمس فيها في كثير من الأحيان خلال الحملة الانتخابية.
من غير المفاجئ أن يقلق خان من المزاعم التي تقول إنه الخيار المفضل للجيش. ومع ذلك، فعل حزبه القليل لتبديد هذا الانطباع. وقبيل الانتخابات، رحبت حركة "تحريك إنصاف" الباكستانية، أو (الحركة من أجل العدالة)، بشخصيات بارزة من الحكومات العسكرية السابقة –أناس مثل عمر أيوب خان، حفيد الحاكم العسكري السابق الجنرال أيوب خان؛ وخسرو بختيار، الوزير السابق في عهد برفيز مشرف، والذين اكتشفوا فجأة الفضائل السياسية لخان. ويحمل هؤلاء الأشخاص الذين يوصفون بـ"القابلين للانتخاب" نفوذاً في دوائرهم الانتخابية الخاصة، لكنهم احتاجوا إلى حزب قوي يحمل طموحاتهم البرلمانية. زعم عضو سابق في حزب خان، جواد هاشمي، بأن الجيش كان يهندس الانشقاقات من الأحزاب الأخرى منذ سنوات.
في السنوات الأخيرة، أصبح خان والجيش أقرب إلى بعضهما البعض. وقد أرادا كلاهما خروج شريف من السلطة. كما أنهما ينظران كلاهما إلى حزب الشعب الباكستاني وحزب الرابطة الإسلامية على أنها سلالات فاسدة تجر البلد إلى الوراء. ويحب الجيش عروض خان للقومية. لكن هناك اختلافات رئيسية بينهما أيضاً. ففي الماضي، كان خان منتقداً شرساً لتوغلات الجيش في السياسة، وتحالفه مع الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب، والعمليات العسكرية التي شنها على طول الحدود مع أفغانستان. وفي خطاب ألقاه يوم الخميس قبل الماضي، قال خان أنه يريد تعزيز السلام وتعزيز التجارة مع الهند، وفتح الحدود مع أفغانستان، والتمتع بعلاقة "مفيدة للطرفين" مع الولايات المتحدة –وهي كلها مبادرات ربما تقلق الجيش الباكستاني.
كرئيس للوزراء، سوف يريد خان أن يؤكد نفسه باعتباره الزعيم الأكثر قوة في البلد. وقد انتمى هذا الدور تقليدياً لرئيس الجيش الذي كان يستطيع –حتى خلال أوقات الحكم المدني- أن يمارس نفوذاً من خلف ستار خفيف. ولكن، عندما لم تعد تغريه الانقلابات العسكرية المباشرة، أصبح الجيش الآن يترك إدارة البلد يوماً بيوم للمدنيين، بينما يحتفظ بعناصر السلطة الأكثر أهمية بالنسبة إليه: السياسة الخارجية؛ والسياسة الدفاعية؛ وعناصر الاقتصاد. ولن يكون متحمساً للتنازل عن هذه الامتيازات لخان.
في الوقت نفسه، يخشى منتقدو خان أيضاً من أن يكون على الطريق إلى أن يصبح أحدث حاكم مستبد في العالم. فخلال الحملة الانتخابية، شن خان هجمات شرسة على خصومه، مدعياً أنهم يعملون لحساب أعداء باكستان. وقارن الناخبين الذين يدعمون المنافسين بالحمير (وهو ما قاد بعض أنصاره إلى ضرب حمار حقيقي حتى الموت). كما هاجم أقسام الصحافة التي يتصور أنها معادية له. وقد تعرض للنقد أيضاً على دعمه قانون التجديف المثير للجدل في باكستان، والذي يجعل من أي "نسبة إلى، أو تلميح أو تعريض" بالنبي محمد عملاً عقوبته الموت. ويقول المنتقدون أن خان، الذي دعا في السابق إلى تعديل هذا القانون لمنع إساءة استخدامه، غيَّر موقفه في محاولة لخطب ود المجتمع اليميني الديني في باكستان.
لكن خان ليس الديماغوجي الخام ثنائي الأبعاد الذي يقترحه البعض. وعندما كنت أغطي أخباره كصحفي، رأيته يتحدث علناً ضد حالات الاختفاء القسري، والهجمات على حرية التعبير والصحافة، والإعدامات خارج نطاق القانون، وضربات الطائرات من دون طيار التي تقتل المدنيين، واضطهاد الأقليات الدينية. وخارج قطار الحملة، تعهد خان وحزبه بمحاربة التغير المناخي. وقاد حملة لمكافحة فيروس شلل الأطفال تمس الحاجة إليها في بلد ما يزال فيه المرض يطارد الأطفال. وقد هاجم طالبان عمال مكافحة الفيروس واتهموهم بمحاولة إصابة الناس بالعقم. وعلى النقيض من دونالد ترامب، كان خان ناجحاً كرجل بر وإحسان، فبنى مستشفيين للسرطان يعالجان الفقراء مجاناً وجامعة بالقرب من مسقط رأسه.
في خطابه الذي ألقاه يوم الخميس قبل الماضي، تعهد خان بأن لا يسعى إلى الانتقام السياسي من خصومه -وهو رد فعل شائع بين الديماغوجيين. وبدلاً من جعل الأقليات كبش فداء، كما يفعل الديماغوجيون عادة، قال إنه سوف يحمي حقوقهم. وقال إنه يريد أن يوحد البلد وتعهد بتقوية مؤسساته. كما التزم بتخليص البلد من الفساد، واعتبر نفسه ومجلس وزرائه مسؤولين أولاً عن تعليم أكثر من 25 مليون طفل هم الآن خارج المدارس، وببناء مستقبل لسكان البلد الذين تتكون غالبيتهم الساحقة من الشباب.
وهو مشروع ضخم، يثير التوقعات التي ستربك حتى الإدارات الأكثر قدرة وفعالية. وربما لا ينجح خان في تحقيقه. وحتى يعوض عن الفشل، ربما يرتد إلى طرق المستبدين الذين جاؤوا من قبله. ولعل أكبر انتقاد يسمعه المرء عنه هو أنه متهور وغير منظم وغريب الأطوار. لكنه بدأ بشكل إيجابي إلى حد مدهش، وهناك سبب للأمل بأنه سيلتزم بما بدأ به.

*صحفي كان يغطي شؤون باكستان لمجلة تايم من العام 2008 وحتى 2016.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Pakistan’s Populist Triumph

التعليق