ما وراء حرائق اليونان القاتلة؟

تم نشره في الجمعة 3 آب / أغسطس 2018. 11:00 مـساءً
  • رجل إطفاء يشارك في مكافحة الحرائق التي اندلعت في اليونان مؤخراً - (أرشيفية)

يانيس فاروفاكيس*

أصيبت أتيكا ببلاء إلهي قبل أيام. وقد رأيت أولى علاماته في وقت متأخر من صباح ذلك اليوم في مطار أثينا عندما كنت أودع ابنتي التي كانت متوجهة إلى أستراليا. فقد دفعتني قوة رائحة احتراق الخشب إلى النظر نحو السماء؛ حيث كانت تسطع شمس أصبح لونها الأصفر يميل إلى البياض ويحيط بها سواد يشبه كسوف وسط النهار، بسبب وجود الدخان الكثيف في السماء.

في قت مبكر من مساء اليوم نفسه، انتشر الخبر بسرعة. فقد دمرت منازل العديد من أصدقائنا وبعض من أقاربنا في شرق أتيكا، والتهمت النيران كل شيء في طريقها إلى الشريط الساحلي الذي كان قد بُني بشق الأنفس، فدمرت منطقة ماتي السكنية وبلدة رافينا واضطر السكان إلى الفرار نحو البحر.

كانت أول مرة أسمع فيها عن وقوع ضحايا هي عندما أخبرني أحدهم عن مأساة ناشطين ينتمون إلى حركتنا السياسية، الديمقراطية في أوروبا 2025. فقد دمرت ألسنة النيران منزلهم في ماتي، ودمرت منازل أخرى في الشارع نفسه، لكنهم تمكنوا من النجاة بحياتهم على الأقل، بينما قضى جيرانهم. وعندما عثر على جثثهم في الصباح التالي، كان الزوجان منحنيين إلى الأسفل، بينما كانت ابنتهما البالغة من العمر أربع سنوات في وضع منكمش تدمع له العين.

وما تزال الأخبار السيئة متواصلة. ما تزال صديقة لي وزوجها اللذان يقطنان سميثرينز في عداد المفقودين. واضطر ابن عمي، الذي يتواجد منزله عند جرف على مقربة من البحر إلى القفز من مستوى 70 متراً نحو مياه تتخللها صخور عندما التهمت النيران منزله. ولحسن الحظ، أنقذه الصيادون. لكن الأشخاص الستة والعشرين الآخرين الذين يقطنون الساحل نفسه، استسلموا للدخان والنيران قبل أن يتمكنوا من الوصول إلى الماء. وتزامناً مع كتابتي لهذا المقال، وصلت حصيلة القتلى إلى 81 شخصا، مع عدد غير محدود من الأشخاص المفقودين. وتخونني الكلمات.

لماذا حدث هذا؟ لقد خلف فصل الشتاء الجاف كميات كبيرة من الغابات القاحلة، التي تسببت في اشتعال النيران الملتهبة حين وصلت درجة الحرارة إلى 39 درجة مئوية (120 فاهرنهايت) ووصلت قوة الرياح إلى 130 كيلومتراً (80 ميلا) في الساعة. إلا أنه في يوم الاثنين الأسود، أسهم الطقس وفشل اليونان المستمر معاً في تحويل حريق الغابة إلى جهنم قاتلة.

اعتمد اقتصاد اليونان بعد الحرب على إنشاء عقاري عشوائي وغير مخطط له، والذي يتم بناؤه في أي مكان وفي كل مكان (بما في ذلك الوديان وغابات الصنوبر)، مما يجعلنا، كأي دولة نامية، معرضين لحرائق الغابات القاتلة في فصل الصيف، والفيضانات المفاجئة في فصل الشتاء (في فصل الشتاء الماضي، قضى 20 شخصاً كانوا يقطنون في بيوت بنيت في قعر مدينة قديمة في اليونان).

ومن الطبيعي أن يكون عدم استعداد اليونان الدائم سبباً آخر في هذا الفشل الجماعي. ونذكر على سبيل المثال، فشلها في التخلص من الأغصان التي تراكمت في الغابات والساحات الواسعة في فصل الشتاء والصيف، أو في بناء مخارج لهروب السكان في حالة الطوارئ. وهناك أيضاً لوبيات تقوم بنشاطات غير قانونية، مثل وضع حاجز لغلق الساحل المحيط بالمنازل المطلة على البحر بغرض الحفاظ على خصوصية الشاطئ. وقال شهود عيان أثناء تبادلنا للحديث إن العديد من الناس أصيبوا بجروح بالغة أثناء محاولاتهم اختراق السياج الشائك الذي وضعه الأغنياء ليفصل بينهم وبين البحر.

وأخيراً وليس آخراً، هناك شعور جماعي بالذنب. وما هذه الكارثة إلا مثلال عن الكوارث الطبيعية التي يسببها التغير السريع للمناخ والتي تعاقبنا على أخطائنا.

كما جرت العادة عندما تلتهم نيران الغابات اليونان، تلمح الحكومة إلى أن السبب هو إضرام النار بشكل متعمد. وعلى الرغم من أنني لا أستبعد احتمال ارتكاب جريمة، فإنني غير مقتنع بهذا التلميح. فلطالما ألقت اليونان اللوم على الانتهازيين ومن يتعمد إضرام النار والإرهابيين، بل وحتى العملاء الأجانب لأن ذلك يناسبها. ونظراً لسيطرة الحرائق على الأخبار، يتفادى المسؤولون تقبل عدم استعدادهم وفشلهم في سن قوانين واتخاذ إجراءات وقائية ملائمة وتعزيزها.

ما هو الدور الذي يلعبه التقشف والإحباط الكبير اللذان تعيشهما اليونان في عدم فعالية الرد؟ تعاني أقسام الإطفاء ووكالات حماية المواطنين وخدمات الإسعاف والمستشفيات من نقص في الموظفين. وعلى الرغم من أن الحرائق لم تكن لتخمد حتى ولو كان لدينا 3 أضعاف عدد رجال الإطفاء وطائرات الإطفاء، فإنه لا يمكن أن يكون بلد عانى من ضعف المرافق العامة لمدة عشر سنوات، بينما تكون مجتمعات هذا البلد ومعنوياته على استعداد كاف لمواجهة كارثة يزيدها خطورة تغير المناخ.

يسألني الصحفيون عما إذا كان الاتحاد الأوروبي يتدخل للمساعدة. والحقيقة أن النيران المدمرة كانت في اليونان قبل وبعد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي واستبدال الدراخما باليورو. ولم يفعل الاتحاد الأوروبي أي شيء لمساعدتنا لإخماد النيران، لأن ذلك لا يندرج ضمن مهامه ولا يمكنه تحمل مسؤولية اندلاع النيران أو إساءة تعامل المجتمع اليوناني مع البيئة الطبيعية لمدة 70 عاماً. لكن ما لا نقاش فيه، هو أن الدائنين الثلاثة الرسميين لليونان -المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي- حرموا دولة اليونان من الموارد والقدرات التي تحتاجها في مثل هذه الحالات.

ألم يحن الوقت إذن، (وهو سؤال طرحه الصحفي نفسه) لأن تثور اليونان وتطالب بوضع حد لنظام التقشف ولسياسة تقليص حجم الميزانية التي تنفقها والتي تعرقل استمرار اليونان؟ نعم، بطبيعة الحال! إن كل وقت هو الوقت المناسب لمواجهة هذا الثلاثي بشأن سياسة التقشف التي تشل حركة البلد والسياسات الاجتماعية التي تنبذ الآخر والتي أدت إلى أزمة إنسانية دائمة في اليونان.

على مدى عشر سنوات، كان عدد الضحايا الذين قضوا عقب مأساة تأسيس الاتحاد الأوروبي أكثر من أي فيضان أو نيران في غابة. وقد انتحر من 20.000 شخص منذ 2011، بينما يهاجر واحد من كل عشرة مواطنين يونانيين في سن العمل بسبب الأزمة الاقتصادية التي فرضها الاتحاد الأوروبي على اليونان.

أتوقع أن تُذرف في بروكسيل دموع التماسيح على ضحايا الحرائق، وأن تصدر الحكومة اليونانية تصريحات منافقة. ولكنني لا أتوقع أن يغير اليونان سياسة كراهية الآخرين التي انعكست سلباً عليه فقط لأن 100 شخص قضوا في يوم واحد. وإن لم يتحل مؤيدو الإصلاح بالنظام وحس المسؤولية، وإن لم يتحدوا لوضع ضغوطات على مستوى الاتحاد الأوروبي، فلا شيء سيتغير سوى تعزيز القوى السياسية الباغضة للبشرية فيه، مثل حزب الفجر الذهبي ورابطة إيطاليا، والاتحاد المسيحي الألماني وحزب البديل من أجل ألمانيا، وحكومة سباستيان كورز المتقشفة والرابطة الديمقراطية الليبرالية البولندية-المجرية. وفي هذا السياق، تبقى النيران التي اندلعت في اليونان تذكيراً مأساوياً بمسؤوليتنا جميعاً كأوروبيين.

 

*وزير المالية الأسبق في اليونان، وأستاذ علوم الاقتصاد بجامعة أثينا.

*خاص بـ‘‘الغد‘‘، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق