من "البريكسيت" إلى الاستفتاء

تم نشره في السبت 4 آب / أغسطس 2018. 11:00 مـساءً
  • بريطاني مؤيد للاتحاد الأوروبي يلتف بعلم الاتحاد-(أرشيفية)

أناتول كاليسكي*

واجهت خطة ماي الأخيرة، التي تهدف إلى خروج ناعم أكثر تعاوناً، معارضة منيعة من قبل جونسون وديفيس، بالإضافة إلى العديد من أتباعهما. وقد شجب هؤلاء المتشددون خطة ماي الجديدة باعتبارها مؤامرة لتحويل بريطانيا إلى "دولة تابعة" للاتحاد الأوروبي. ويبدو حزب العمال على استعداد لدخول تحالف واضح معهم على أمل التعجيل بانهيار الحكومة.
*   *   *
لندن- الأشياء المستحيلة لا تتحقق. وإذا صوت بلد ما لجعل اثنين زائد اثنين تساوي خمسة، فإن هذا "القرار الديمقراطي" ستلغيه في نهاية المطاف قواعد الحساب، بغض النظر عن موافقة الأغلبية. وهذا هو ما يحدث الآن في بريطانيا، في الوقت الذي فشلت فيه حكومة تيريزا ماي في الفصل النهائي من دراما "بريكسيت" الكوميدية.
في العام 2016، صوت الشعب البريطاني من أجل مغادرة الاتحاد الأوروبي، مع الحفاظ على "نفس الفوائد" التي يتمتع بها أعضاء الاتحاد. وقد استخدم ديفيد ديفيس، الوزير السابق لدى ماي والمسؤول عن مفاوضات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، هذه العبارة مراراً وتكراراً في البرلمان، ثم استخدمتها ماي بعد ذلك بحماس. وكانت الوعود التي قطعها وزير الخارجية السابق بوريس جونسون، رئيس حملة "بريكسيت"، مبالغاً فيها، بوضوح: ستكون لدى البريطانيين الحرية الكاملة في العيش والعمل والدراسة في جميع أنحاء أوروبا؛ والوصول غير المقيد إلى السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي؛ والمشاركة الكاملة في أي مؤسسة سياسية قد تشعر حكومة ما بعد البريكسيت بأنها تريدها، مثل قَطف الكرز من بستان الاتحاد الأوروبي. وباختصار، كان استفتاء العام 2016 بمثابة تصويت لصالح اثنين زائد اثنين يساوي خمسة.
لكن عواقب هذا الخداع الذاتي أصبحت الآن واضحة للغاية؛ حيث تجد الحكومة البريطانية نفسها غير قادرة على الحصول على أغلبية برلمانية لأي خطة خروج بريطانية واقعية. وإذا ما استمر هذا الوضع، فلن يكون لدى بريطانيا سوى بديل واحد: إجراء استفتاء جديد لإعادة النظر في النتيجة المستحيلة لتصويت العام 2016.
تقدر صحيفة التايمز الآن أن هناك احتمال بنسبة 50 % لإجراء استفتاء مماثل. وعندما أصبحت جوستين غريننغ، واحدة من وزراء الحكومة التي أقالتها تريزا ماي، أول محافظة بارزة تدعم هذا الخيار، لم تكن الاعتراضات التي أُثيرت بهذا الشأن تتعلق بمبدأ إجراء استفتاء ثان، وإنما بصعوبة تحديد السؤال الصحيح وطريقة التصويت.
يعد إجراء استفتاء جديد من أولويات الأجندة السياسية لبريطانيا، بسبب السلوك المهزوم لمؤيدي البريكسيت المتشدد من حزب المحافظين. وعندما استقال ديفيس وجونسون من حكومة ماي، اندلعت تمردات برلمانية فوضوية -من قبل المتشككين والفصائل المؤيدة لأوروبا من الحزب. ونتيجة لذلك، يعتقد حزب العمال، المعارض الرئيسي، أنها فرصة مناسبة لإسقاط حكومة ماي وإجراء انتخابات عامة، عن طريق التحالف مع مؤيدي بريكسيت المتشدد أو المتمردين المحافظين المواليين لأوروبا، من أجل القضاء على أي خطة حول بريكسيت تعرضها ماي على البرلمان. ويجعل حزب العمال المعارض من أي خيار حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي شبه مستحيل.
هناك التهديد بالانسحاب "من دون اتفاق"؛ حيث ستعمل بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي من دون أي اتفاق على إقامة علاقات جديدة في المستقبل. لكن ذلك غير محتمل، لأن جميع أحزاب المعارضة البريطانية، بالإضافة إلى الأغلبية الساحقة من أعضاء البرلمان المحافظين الذين يهتمون بالمصالح التجارية، لن يسمحوا بحدوث ذلك.
و"البريكسيت المتشدد" غير محتمل أيضاً؛ حيث توافق بريطانيا وأوروبا على انفصال منظم، وإنما من دون وجود ترتيبات تفضيلية للتجارة المستقبلية. وسوف يتم التصويت على ذلك أيضاً من قبل جميع أحزاب المعارضة، إلى جانب العشرات من المحافظين من الوسط. كما يعارض بعض مؤيدي البريكسيت المتشدد أي انفصال متفقاً عليه، لأنه سيجبر بريطانيا على دفع مبلغ كبير للخروج من الاتحاد الأوروبي واتباع القواعد الأوروبية لفتح حدود مع أيرلندا، في مقابل غياب أي امتيازات تجارية على الإطلاق.
واجهت خطة ماي الأخيرة، التي تهدف إلى خروج ناعم أكثر تعاوناً، معارضة منيعة من قبل جونسون وديفيس، بالإضافة إلى العديد من أتباعهما. وقد شجب هؤلاء المتشددون خطة ماي الجديدة باعتبارها مؤامرة لتحويل بريطانيا إلى "دولة تابعة" للاتحاد الأوروبي. ويبدو حزب العمال على استعداد لدخول تحالف واضح معهم على أمل التعجيل بانهيار الحكومة.
هذا يترك خياراً واحداً: حدوث تمرد برلماني لوقف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ويبدو أن "الخروج البريكسيت" هو السياسة الرسمية لليبراليين، وأعضاء حزب الخضر، والحزب الوطني الأسكتلندي. لكن من الواضح أن جميع "مؤيدي البريكسيت"، بالإضافة إلى الغالبية العظمى من أعضاء البرلمان المحافظين وقيادة حزب العمال، الذين يشعرون بأنهم ملزمون باتباع "تعليمات" استفتاء العام 2016، لن يدعموا هذا الخيار.
إذا كانت ماي غير قادرة على جمع الأغلبية البرلمانية لأي نسخة من البريكسيت، فإن الاستقالة والانتخابات العامة لن يكونا الخيار الوحيد. وهناك هدف واحد يوحد جميع الفصائل المحافظة، بغض النظر عن وجهات نظرهم حول أوروبا، والذي يتمثل في تجنب إجباء انتخابات عامة ومخاطر فوز حزب العمال بالسلطة. وهذا يعني أن ماي يمكن أن ترفق اقتراح الاستفتاء بنسختها المفضلة من البريكسيت، معلنة بشكل مبرر أن رد البرلمان على استفتاء العام 2016 يجب أن يتم التصديق عليه أو رفضه من خلال تصويت شعبي جديد. وتبرر التحقيقات الجنائية التي أُطلقت مؤخراً حول الإنفاق غير القانوني لحملة المغادرة الرسمية لجونسون، والادعاءات المتعلقة بتمويل روسي لحملة زعيم حزب الاستقلال البريطاني السابق نايجل فراج، تبرر إجراء استفتاء نهائي.
من المحتمل أن تعارض قيادة حزب العمال إجراء استفتاء جديد، لأنها ستقوض مساعيها إلى فرض إجراء انتخابات عامة. لكن الليبراليين والقوميين الأسكتلنديين سيدعمون الاستفتاء بحماس بما أنه سيوفر للناخبين خيار إبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. ونتيجة لذلك، فلن تواجه "ماي" أي مشكلة في جمع أغلبية برلمانية في حزمة تشريعية تربط خطة خروج بريطانيا مع استفتاء يختار بينها وبين البديل الحالي للبقاء في الاتحاد الأوروبي.
في الواقع، سيؤدي مثل هذا الاستفتاء إلى مراجعة قرار العام 2016 بالخروج من الاتحاد الأوروبي، لأن أي اقتراح بريكسيت محدد من قبل الحكومة سيكون أقل جاذبية بكثير من الأوهام الخيالية التي نجحت في ضمان أغلبية ضئيلة فقط منذ عامين. وفي العام المقبل، ربما سيكون الشعب البريطاني غاضباً على أوروبا، وسيقوم بالتصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي مرة أخرى. وبذلك، فإن بريكسيت يمكن أن يمضي قدماً في أي شروط قد تتفاوض عليها ماي، ولا يمكن لأحد أن يشكو من العواقب أو التكاليف.
مهما كانت النتيجة، فإن الناخبين سيتخذون خياراً صادقاً بين الخيارات المفصلية الصادقة والصحيحة. وستكون هذه ديمقراطية حقيقية، بدلاً من ديماغوجية اثنين زائد اثنين تساوي خمسة.

*كبير الاقتصاديين والرئيس المشارك لـ"غلافكال دراغونوميكس". وهو كاتب عمود سابق في صحف التايمز بلندن، ونيويورك تايمز الدولية، وفاينانشال تايمز. مؤلف كتاب "الرأسمالية 4.0، ولادة اقتصاد جديد"، والذي توقع العديد من التحولات في الاقتصاد العالمي في مرحلة ما بعد الأزمة. أصبح كتابه "تكاليف التخلف عن السداد" الصادر في العام 1985، مرجعاً مهماً لحكومات أميركا اللاتينية وآسيا التي تتفاوض على التخلف عن سداد الديون وإعادة الهيكلة مع البنوك وصندوق النقد الدولي.

التعليق