على إسرائيل تخفيف قبضتها الخانقة عن غزة لتجنب حرب أخرى

تم نشره في الثلاثاء 7 آب / أغسطس 2018. 11:00 مـساءً
  • فلسطينيون يشيعون طفلاً بعمر 11 عاماً أصيب برصاص الجيش الإسرائيلي خلال احتجاج على حدود غزة - (أرشيفية)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

طارق باقوني* - (الواشنطن بوست) 30/7/2018

المطلب الفلسطيني بالحرية والكرامة سوف يستمر إلى أن يتم تحصيل حقوقهم الأساسية. وبدلاً من شراء السرد الخاطئ الذي تقوم عليه السياسة الإسرائيلية وإضفاء الشرعية على معاناة مليوني فلسطيني في غزة، يجب على المجتمع الدولي أن يضع نهاية للإغلاق والحصار. والآن، يقف كلا الطرفين على حافة حرب أخرى. والتاريخ الحديث مليء بالأمثلة عن النتيجة المرجحة إذا لم يتم اتخاذ إجراء حاسم.

*   *   *

أصبحت إسرائيل وحماس مرة أخرى على شفا نشوب حرب شاملة واسعة النطاق. فيوم الجمعة، 29 تموز (يوليو)، قتلت إسرائيل ثلاثة فلسطينيين رداً على استمرار الاحتجاجات على طول السياج الحدودي لغزة. وفي وقت سابق من الشهر، اندلعت أكثر جولات القتال حدة منذ العام 2014 بعد أن زادت إسرائيل من تشديد حصارها، متذرعة بالأضرار الناجمة عن الطائرات الورقية المشتعلة التي تعبر السياج الحدودي من غزة.

وأعلنت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، مؤخراً، أنها ستقوم بخفض الوظائف والخدمات في غزة بعد سحب التمويل الأميركي، وهو ما يَعرض خطر المزيد من عدم الاستقرار.

لكن السبيل الوحيد لنزع فتيل العنف المستمر هو أن تتوسط الأطراف الخارجية في التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين حماس وإسرائيل، والذي يلتزم بتحقيق ثلاثة أهداف أطول أجلاً: رفع الحصار عن القطاع؛ ونقض السياسات التي كانت تهدف إلى عزل غزة عن بقية ﺎﻷراﺿﻲ اﻟﻔﻠﺴﻄﻴﻨﻴﺔ اﶈﺘﻠﺔ؛ وأخيراً، التعامل مع مطلب الفلسطينيين بالحق في تقرير المصير.

في هذه الأيام، يدخل الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة عامه الحادي عشر. وهو حصار اعتبرته الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان شكلاً من أشكال العقاب الجماعي، واتفق الخبراء القانونيون على أنه يخالف القانون الدولي. ولعل الأهم من ذلك بالنسبة للحكومة الإسرائيلية هو أن الحصار قد فشل في تحقيق هدفه المزعوم، وهو ضمان "الهدوء" في مدن إسرائيل الجنوبية.

لقد حان الوقت لإعادة النظر في العوامل التي أدت إلى الديناميات الحالية بين حماس وإسرائيل. وكان قد تم فرض الحصار -ظاهرياً- بسبب استيلاء حماس على قطاع غزة في العام 2007. لكنه في واقع الأمر شكل الذروة فقط لسياسات إسرائيلية مستمرة منذ عقود، والقائمة على استخدام القوة العسكرية غير المتناسبة وممارسة الضغط الاقتصادي الشديد والمتعمد على غزة. وقد شنت إسرائيل منذ العام 1948 اثنتي عشرة حرباً على قطاع غزة، وأطلقت العنان لوحش العنف ضدها من خلال الاحتلال، وإعادة الاحتلال، والاغتيالات خارج نطاق القانون، والهجمات العسكرية -قبل عقود من إنشاء حماس أو استخدام المجموعة سنيران الصواريخ. ومنذ بداية التسعينيات، قبل أن تصبح حماس لاعباً سياسياً مؤثراً، وقبل أكثر من 15 سنة من وصولها إلى السلطة، فرضت إسرائيل قيوداً على الوصول، وحظراً، وآليات تهدف إلى "تثبيط التنمية الاقتصادية" في غزة.

أدى نظام إسرائيل الحالي القائم على السيطرة من الخارج، إلى جانب الحروب الدورية التي تشنها على القطاع، إلى الوصول إلى نقطة توازن في السلوك العدواني بين إسرائيل وحماس.

وتستخدم إسرائيل القوة العسكرية الساحقة للبحث عن صيغة "تهدئة التهدئة"، حيث تسامحت مع -بل وشجعت- سيطرة حماس على قطاع غزة، طالما كان بالإمكان ردع إطلاق الصواريخ من غزة. وقد استخدمت حماس بدورها نيران الصواريخ من أجل إعادة التفاوض بشأن شروط الوصول إلى غزة، رافضة صيغة "الهدوء من أجل الهدوء"؛ حيث تقول بدلاً من ذلك إن "الهدوء" لا يمكن ضمانه إلا بعد رفع الحصار أو تخفيفه. وتنظر الحركة إلى الحصار نفسه على أنه عمل عنيف من أعمال الحرب، والذي يستحق الدفاع عن النفس بإطلاق الصواريخ.

كان هدف إسرائيل المزعوم من الحصار هو فرض انهيار حكومة حماس. غير أن هدفها الحقيقي هو تحييد قطاع غزة، ربما تحت حكم حماس، وربما الأهم من ذلك، الإبقاء على قطاع غزة ككيان قائم بذاته، والذي يكون منفصلاً عن الضفة الغربية.

على مدى العقد الماضي، وفي كل حالة وقف لإطلاق النار سادت خلاله، أكدت مؤسسة الاستخبارات الإسرائيلية على قدرة حماس المتزايدة واستعدادها لتحقيق الاستقرار في قطاع غزة، والسيطرة على العمليات العسكرية المنطلقة من الداخل. وقد أشار المسؤولون الإسرائيليون وأعضاء المجتمع المدني مراراً وتكراراً إلى حاجة إسرائيل الملحة لتيسير الوصول إلى غزة، ورفع الحصار كشروط مسبقة للحفاظ على الهدوء. وحذر تقرير صدر عن مراقب الدولة الإسرائيلي في العام 2015 الحكومة الإسرائيلية من مغبة فشلها في تخفيف المعاناة الإنسانية في قطاع غزة، مشيراً إلى أن هذا الفشل كان عاملاً رئيسياً أدى إلى نشوب حرب العام 2014.

وما تزال هذه الدروس قائمة. والطريقة الوحيدة للتراجع عن حافة الحرب هي تخفيف الخناق المفروض على قطاع غزة.

مع ذلك، يجب أن ينطوي تحقيق الهدوء الدائم على ضرورة التعامل مع حماس كطرف سياسي، والتوسط بين الفصائل الفلسطينية من أجل الوحدة، والعمل على التعامل مع النضال الفلسطيني من أجل تقرير المصير.

لقد تجنبت إسرائيل مثل هذه الإجراءات لأن الانقسام داخل الأراضي الفلسطينية يخدم غرضها. وبدلاً من مواصلة المبادرات الدبلوماسية، تواصل إسرائيل استخدام الوسائل العسكرية والاقتصادية لإدارة الصراع، وتجنب التعامل مع الدوافع السياسية الأساسية التي تحرك الكفاح الفلسطيني. ويخدم الحصار المفروض على غزة هذا الغرض.

من جانبها، اشترت إدارة ترامب سرد حكومة إسرائيل الحالية، وألقت العبء في إنهاء العنف فقط على حماس، من دون ممارسة أي ضغط على إسرائيل لرفع الحصار أو إنهاء العنف الكبير الذي تمارسه بشكل روتيني ضد سكان غزة. ولن يفعل هذا النهج سوى الحفاظ على توازن مرعب من العداء -وحيث الذين يعانون بشكل غير متناسب هم المدنيون في غزة.

لكن المطلب الفلسطيني بالحرية والكرامة سوف يستمر إلى أن يتم تحصيل حقوقهم الأساسية. وبدلاً من شراء السرد الخاطئ الذي تقوم عليه السياسة الإسرائيلية وإضفاء الشرعية على معاناة مليوني فلسطيني في غزة، يجب على المجتمع الدولي أن يضع نهاية للإغلاق والحصار. والآن، يقف كلا الطرفين على حافة حرب أخرى. والتاريخ الحديث مليء بالأمثلة عن النتيجة المرجحة إذا لم يتم اتخاذ إجراء حاسم.

 

*نشر هذ المقال تحت عنوان: Israel needs to loosen its chokehold on Gaza to avoid another war

*هو مؤلف كتاب "احتواء حماس: صعود وتحييد المقاومة الفلسطينية". وهو زميل زائر في مجلس العلاقات الخارجية الأوروبي.

[email protected]

التعليق