الآيات المحكمات والمتشابهات

تم نشره في الخميس 9 آب / أغسطس 2018. 11:00 مـساءً

د. هاشم غرايبة

مما يتميز به القرآن العظيم علاوة على أن آياته فيها تنوع شمولي في الموضوع والمبنى والأدوات، هو أسلوبه الفريد الذي يميزه عن الأساليب البشرية، وسمات هذا الأسلوب كثيرة، إحداها أن الآيات تأتي على وجهين: آيات محكمات وأخرى متشابهات.
هذا التصنيف ليس من فهم البشر، بل هو من عند الله، وقد عرّفنا به الله تعالى في الآية 7 من آل عمران: "هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ".
وقد عني علماء التفسير بتحديد المتشابه والمحكم من الآيات، فحددوا المحكم منها بتلك التي لا تفسر إلا على وجه واحد، ولا ترد إلا بصورة محددة، مثل: "قل هو الله أحد" ومنها ما ورد في الآية 23 من سورة الإسراء "وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً" وما تلاها حتى الآية 38، كما أن من المحكمات الآيات العشر الأخيرة من سورة الأنعام التي تبدأ بالآية: "قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ"، والتي قال كعب الأحبار إنها أول ما نزل من التوراة، وهي ذاتها التي يسميها أهل الكتاب الوصايا العشر.
هكذا هي الآيات المحكمات، تأتي بنصوص واضحة لا اجتهاد في تفسيرها، لذلك سماها الله تعالى: أم الكتاب، أي هي المرجع في تفسير الآيات المتشابهة.
والآيات المتشابهة هي تلك الآيات المتعددة الصياغة لكنها وردت في المعنى ذاته أو بمعانٍ متقاربة، وهي التي يشتبه معناها ويخفى على أكثر الناس ولا يعرفها إلا الراسخون في العلم، مثل بعض الآيات المجملة التي ليس فيها تفصيل، فتفصلها السنة مثل قوله تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) فإن إقامة الصلاة غير معلومة.
وقد تكون بتضاد المعنى، كما في قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: "إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ" وقوله: "وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ"، ففي الآيتين توهم بالتعارض، وهو النفي في الأولى والإثبات في الثانية، فمن كان في قلبه زيغ يظن أن في القرآن تناقضاً.
وأما الراسخون في العلم فيقولون: لا تناقض في الآيتين، فالمراد بالهداية في الآية الأولى هداية التوفيق، وهذه لا يملكها إلا الله وحده فلا يملكها الرسول ولا غيره، والمراد بها في الآية الثانية هداية الدلالة وهذه تكون من الله تعالى ومن غيره، فتكون من الرسل وورثتهم من العلماء الربانيين.
والتشابه على صور عديدة فمنها ما يكون بألفاظ متشابهة لكن بتقديم وتأخير مختلف بينها، مثل قوله تعالى في سورة البقرة: "وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا"، و"فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا" أو بتغيير لفظة بدل أخرى كما في سورة البقرة أيضا "صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ" وفي آية متأخرة ترتيبا "صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ"، والاختلاف راجع الى وصف الحالة المختلف.
الحكمة من أن القرآن نزل على هذين الوجهين الابتلاء والامتحان، حتى يمحص الله الصادقين في إيمانهم من المنافقين، فهؤلاء توقعهم سوء نواياهم، فينكشف من كان في قلبه زيغ لأنه يتبع المتشابه، فيبقى في حيرةٍ من أمره، وأما الراسخون في العلم فإنهم يؤمنون به كله، متشابهه ومحكمه، ولأنه من عند الله فلا تناقض فيه.
لذلك يغدو التشابه دافعا للصادق إيماناً، للبحث والتعمق في الفهم، فتنجلي له حقائق كان يجهلها، ويفتح الله عليه جزاء نيته الطيبة من كنوز علمه، فيزده علما ويُنِله السعادة في الدارين.

التعليق