محمد أبو رمان

ظاهرة ساري حنفي

تم نشره في الخميس 9 آب / أغسطس 2018. 11:10 مـساءً

"أنا لاجئ فلسطيني، عشت في سورية، درست في فرنسا، عملت في مصر والأراضي الفلسطينية، وحالياً في لبنان".
انتخِب ساري حنفي، أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأميركية في بيروت، رئيساً للجمعية الدولية لعلم الاجتماع (مؤخراً)، وهو أول رئيس عربي لهذه الجمعية، كسر هيمنة الغرب عليها، إلاّ في حالات تاريخية قليلة، وتمكّن من الحصول على نسبة كبيرة من الأصوات، بعد أن شغل موقع نائب رئيس الجمعية الدولية خلال الأعوام الماضية.
لا أعتبر الصديق الباحث والأكاديمي، د. ساري حنفي، ظاهرةً لأنّه تبوأ هذا المنصب (مع أنّ هذا إنجاز مهم ونوعي في ضوء حالة البحث الاجتماعي في العالم العربي المتردية)، لكنّ السبب هو -في ظني- أنّ حنفي من الباحثين القلائل الذين امتلكوا الجرأة والشجاعة، والإرادة والمعرفة على اقتحام مساحات غير مطروقة في المجالات البحثية العربية، بما يسلّط الضوء على الفجوة المرعبة والكبيرة بين البحث الاجتماعي العربي من جهة ودوره في مواجهة المشكلات والأزمات ودراسة التحولات والظواهر في المجتمعات العربية.
لم يقتصر على إنتاج معرفي عالمي، ولم يختزل عمله في الجانب الأكاديمي والبحثي على الـCopy-paste، بل وظّف المنهجيات الجديدة في علوم الاجتماع وكيّف أدواتها لتلائم دراسة أولاً مجتمع المعرفة في العالم العربي (أي الباحثين والمتخصصين) والمشكلات التي تواجهه وتمنعه من القيام بالدور المطلوب، وثانياً في دراسة المجتمعات العربية والتطرق لمواضيع مهمة وحيوية مثل المعرفة الدينية وقضايا الإصلاح الديني وغيرها من مواضيع مهمة وأساسية.
استضفنا د. حنفي في مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية مرتين؛ الأولى في ندوة بمشاركة د. موسى شتيوي عن أزمة العلوم الاجتماعية في العالم العربي، وحضرها نخبة من أساتذة العلوم الاجتماعية، واتفقنا على المضي قدماً (أردنياً) بتأسيس جمعية أو منتدى للعلوم الاجتماعية في الأردن (لم ننجز شيئاً للأسف إلى الآن)، والمرة الثانية -التي استضفناه فيها- في مؤتمر "ما بعد الإسلام السياسي"، بالتعاون مع مؤسسة فريدريش أيبرت وقدّم ورقة مهمة في مجال دراسة الظواهر السلفية الجديدة.
حنفي نموذج مهم وقدوة للشباب العرب، والأردنيين، الذين دخلوا حقل البحث العلمي في العلوم الاجتماعية، وأهميته على أكثر من صعيد؛ الأول في ضرورة أن يكون البحث الاجتماعي مرتبطاً بدراسة الظواهر الاجتماعية والمشكلات والتحولات، ما يقتضي أن يمتلك الباحث أولاً الأدوات المنهجية وما توصل إليه علم الاجتماع من نظريات ومقتربات وآخر الدراسات والأبحاث العالمية، وثانياً توظيفها في دراسة المجتمع المحلي، وربما العربي، لكنّ لدينا -كما نقول دوماً- ما أسميّه بـ"العتمة المعرفية" في فهم مجتمعنا والتحولات والظواهر، وذلك ناجم عن قصور شديد في جدية البحث الاجتماعي وفاعليته وصلته بالواقع.
كنتُ أفكّر وأنا أقرأ الكتاب القيّم للصديق صالح أبو طويلة "سلفية معان: دراسة أنثروبولوجية سوسيولوجية" (الذي أصدره مركز الدراسات الاستراتيجية مؤخراً وسنقيم له حفل توقيع مساء الثلاثاء المقبل بالتعاون مع منتدى الفكر الحرّ) كم نحن بحاجة إلى دراسات مماثلة ومعمّقة لمجتمعنا والتحولات والظواهر والحركات، فأبو طويلة قدّم دراسة مهمة عن تطور السلفية في معان وربط ذلك بسياقه المجتمعي والثقافي والداخلي، ويمكن تقديم العديد من الدراسات والأبحاث، بخاصة في مستوى الدراسات العليا.
أتمنى أن نستضيف قريباً الصديق حنفي، هنا في الأردن (وربما هذه دعوة للأصدقاء في منتدى شومان الثقافي لتبني هذه المحاضرة)، ليقدم محاضرة بعنوان: كيف تسير في خطوات البحث العلمي الجاد والنافع؟ بوصفه المفتاح الرئيس لفهم أنفسنا وحلّ مشكلاتنا.

التعليق