بياناتنا، ذواتُنا: كيف يمكن إيقاف شركات التقنية عن احتكار معلوماتنا الشخصية

تم نشره في الجمعة 10 آب / أغسطس 2018. 11:00 مـساءً
  • تعبيرية للفنان جون توماك -(المصدر)

فيليب ن. هوارد* - (فورين بوليسي) 16/7/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

عندما تتركز البيانات الكبيرة في حفنة من الأيدي، فإنها تشكل تهديداً حتمياً للديمقراطية. وقد بنت شركات وسائل الإعلام الاجتماعية، ومؤسسات التنقيب عن البيانات السياسية، مثل "كيمبريدج أنالاتيكا"، أعمالها من خلال استغلال الحياة العامة واستخدام البيانات الشخصية. وساعد عمل هذه الشركات على زيادة التوترات العرقية، وانبعاث النزعات القومية، وتكثيف الصراع السياسي، بل وحتى إنتاج أزمات سياسية جديدة في بلدان على امتداد العالم -كل هذا بينما تضعف الثقة العامة في الصحافة، وأنظمة الاقتراع، والنتائج الانتخابية.
لكن هذه الأزمات هي مجرد أعراض لمشكلة أعمق: الاحتكار الفعال بحيث جنت حفنة من مؤسسات التكنولوجيا ثروة من المعلومات المتصلة بالحياة العامة. ويتطلب إصلاح هذا الوضع إعادة الجمهور إلى موقع السيطرة على بياناته.
لطالما كانت الديمقراطية مبنية على -ومعززة بالمؤسسات الاجتماعية التي تجمع المعلومات بعناية عن الحياة العامة وعن الحاجات الجمعية. ومع ذلك، تجاوزت حفنة من شركات التكنولوجيا اليوم بكثير قدرة جمع المعلومات لدى كل الأنواع الأخرى من المنظمات. وتمتلك هذه المؤسسات الخاصة معلومات مفصلة عن الجمهور -والتي تقوم، بعد جمع وتخزين البيانات عن توجهات وتطلعات وسلوكيات كل مستخدِم، باستخدامها لخدمة أهدافها الأساسية. وقد تم تصميم منصات التواصل الاجتماعي حتى تستغل عن قصد نزعة الميل المشترَك إلى التعريض الانتقائي -الميل إلى تفضيل المعلومات التي تؤكد وجهات النظر الموجودة مسبقاً- لتعزيز الرسائل التي يرسلها الزبائن المُعلِنون، وجماعات الضغط، ومديرو الحملات السياسية، بل وحتى الحكومات الأجنبية.
هناك طريقتان لحماية الديمقراطية من التحدي الذي تفرضه هيمنة شركات التكنولوجيا على البيانات ذات القيمة الاجتماعية. الخيار الأول هو أن تقوم الحكومات بوضع القوانين لضبط المحتوى على نطاق غير مسبوق. وسوف يُلزِم ذلك واضعي القوانين العموميين إما بمراجعة كل محتوى الإعلام الاجتماعي للحكم على مدى صلاحيته، أو إرسال إشارات واضحة إلى المؤسسات الخاصة -سواء كانت شركات وسائل الإعلام الاجتماعية نفسها أو أطراف ثالثة- لإجراء مثل هذه المراجعات للمحتوى. لكن المشكلة في كلا السيناريوهين هي أنهما سيخلقان آليات جديدة كبيرة للرقابة، والتي ستشكل المزيد من التهديد للثقافة الديمقراطية.
سيكون من الأفضل بكثير وضع لوائح تنظيمية للسوق، والتي توجه الشركات حول كيف ومتى تستطيع الاستفادة من المعلومات المتاحة عن الأفراد. وسيكون من شأن مثل هذه اللوائح إعادة الجمهور إلى موضع المسؤولية عن مصدر جماعي قيِّم، بينما تسمح للمواطنين في الوقت نفسه بالتعبير عن أنفسهم بشكل فردي عن طريق تقرير ما يمكن عمله ببياناتهم. وللوصول إلى هناك، يجب على صانعي السياسة التركيز على خمسة إصلاحات أساسية، والتي ستعيد كلها المؤسسات العامة إلى السيطرة على تدفق البيانات الذين تهيمن عليه الآن المؤسسات الخاصة.
أولاً، على الحكومات أن تطالب شركات التكنولوجيا بالإبلاغ الإلزامي عن المستفيدين النهائيين من البيانات. ويعني ذلك أنه يجب أن يُطلب من شركات التكنولوجيا، عند الاستعلام، أن تُبلغ المستخدِمين بوضوح عَن من هم المعلنون، والمنقبون عن البيانات والمستشارون السياسيون، الذين استفادوا من المعلومات المتاحة عنهم. ويجب أن يصبح مطلوباً من تطبيق "فيسبوك" لديك أو من "ثلاجتك الذكية" (1)، أن يكشفا، عند الطلب، عن قائمة بالأطراف الثالثة التي تستفيد من المعلومات التي يجمعها الجهاز. ويجب أن يتم رسم مسار البيانات بالكامل وبشكل واضح للمستخدمين، بحيث أنه إذا قامت مؤسسة للتنقيب عن البيانات باستخلاص بيانات المستخدمين ثم باعتها إلى حزب سياسي، فإن المستخدمين يستطيعون معرفة هذا المستخدِم النهائي لبياناتهم.
ثانياً، يجب أن تطلب اللوائح من منصات الإعلام الاجتماعي تسهيل عملية التبرع بالبيانات، وتمكين المستخدِمين من التعرف فعلياً على المجموعات المدنية، والأحزاب السياسية، أو الباحثين الطبيين الذين يريد المستخدمون أن يدعموهم بتقاسم بياناتهم معهم. وبتحرير البيانات من لاعبي القطاع الخاص، تستطيع الحكومات أن تقدم فرصة للتعبير المدني عن طريق السماح للمواطنين بتقاسم معلوماتهم مع أي منظمات أو قضايا يريدون أن يدعموها –وليس فقط تلك التي تستطيع تحمل كلفة شراء البيانات، كما هو الحال اليوم.
الإصلاح الثالث مرتبط بالثاني: يجب إلزام شركات البنية التحتية للمعلومات البرمجيات بتخصيص نسبة العُشر للنفع العام. يجب حجز عشرة في المائة من الإعلانات على منصات وسائل الإعلام الاجتماعية لإعلانات الخدمة العامة، ويجب إلزام الشركات بالسماح لعشرة في المائة من كل بيانات المستخدمين بالتدفق (بطريقة آمنة) إلى الباحثين في شؤون الصحة العامة، والمجموعات المدنية، والصحفيين المحترفين، والتربويين، ووكالات الصحة العامة. وسوف يسمح مثل هذا النظام لعدة أنواع من جماعات الدفاع عن قضايا والوكالات العامة، من خارج عملاء "فيسبوك" الخاصين، باستخدام البيانات المتاحة لفهم المشكلات العامة ووضع حلول لها.
رابعاً، يجب توسيع القاعدة غير الربحية للبيانات. وفي الحقيقة، توجد لدى معظم الديمقراطيات قواعد تمنع المؤسسات من الربح من بيع أنواع معينة من البيانات العامة. وفي العديد من الولايات الأميركية، على سبيل المثال، لا تستطيع مؤسسات التنقيب عن البيانات الربح من بيع بيانات تسجيل الناخبين التي تقوم الوكالات العامة بجمعها. ويجب توسيع هذه القاعدة لتشمل طيفاً أوسع من البيانات ذات القيمة الاجتماعية، مثل أماكن العمل، والتي تقوم الآن شركات التكنولوجيا بجمعها. ثم يمكن تمرير هذه الطبقات من المعلومات إلى الوكالات العامة، بحيث يتم بذلك إنشاء مجموعة أوسع من البيانات المتاحة في المجال العام.
خامساً، يجب أن تجري الوكالات العامة عمليات تدقيق منتظمة على خوارزميات منصات الإعلام الاجتماعي والأنظمة المؤتمَتة الأخرى التي يعتمد عليها المواطنون الآن للحصول على المعلومات. وسوف تستشهد شركات التكنولوجيا بامتلاكها لهذه الخوارزميات، لكن الوكالات العامة تدقق الآن في كل شيء، من ماكينات المقامرة بالفيديو إلى خوارزميات التداول المالي، كل ذلك بطرق لا تنتهك الملكية الفكرية.
يجب أن يتمكن المستخدمون من الوصول إلى تفسيرات واضحة للخوارزميات التي تحدد أي أخبار وإعلانات هي التي يتم تعريضهم لها، ويجب أن تكون هذه التفسيرات مؤكدة بعمليات تدقيق عام منتظمة. وبالإضافة إلى ذلك، يجب أن تتم أرشفة كل الإعلانات، وليس السياسية فقط، لاستخدامها المحتمل من قبل المحققين العامين. كما أن عمليات التدقيق على تكنولوجيا اليوم ستُخطِر مصممي التقنيات الجديدة -مثل الذكاء الاصطناعي- بأن خوارزمياتهم نفسها ستخضع ذات يوم للتدقيق والتمحيص.
ينبغي أن يكون القليل من هذه التصورات في باب الفكر المتمني. ولن تتطلب استعادة الوصول العام إلى المعلومات الاجتماعية من المشرعين إقرار مجموعة من القوانين الجديدة، بما أن معظم الديمقراطيات لديها وكالات العلوم والمكتبات وقصور الخصوصية اللازمة لإدارة المجموعات الكبيرة من المعلومات العامة بفعالية. وربما يمتلك منظمو المنافسة في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مسبقاً السلطة لوضع إرشادات إلزامية لأي شركة تكنولوجيا وفق نموذج عمل يعتمد على جمع كميات كبيرة من البيانات ذات القيمة الاجتماعية. ويشكل قانون حماية البيانات العامة الأوروبي، الذي أكد بقوة على حق الفرد في السيطرة على البيانات منذ أصبح نافذاً في أيار (مايو)، بداية مهمة. وقد أصبح له مسبقاً تأثير عالمي؛ حيث تجد الكثير من مؤسسات التكنولوجيا أن تنفيذ استجابة على مستوى المنصات كافة هو أسهل من تعديل خصائص معينة متعلقة بالمستخدمين الموجودين في أوروبا فقط.
ربما تزعم شركات التكنولوجيا أن مثل هذه المتطلبات سوف تعتدي على حقوقها الاقتصادية كمؤسسات خاصة. ولكن، على النقيض من مثل هذه الاقتراحات، سيكون من العادل تماماً تنظيم وضبط عمليات مؤسسات التكنولوجيا، (إن لم يكن محتواها)، لأن المنصات التي تسيطر عليها أصبحت البنية التحتية الأساسية للحياة العامة. وهي حامل مشترك لثقافتنا السياسية، على نحو يشبه كثيراً الطُرق التي كان مكتب البريد، وإمبراطوريات الصحف، والتلفاز والمذياع تقوم بها بإيصال السياسات إلى الناس في العقود الماضية، بينما تخضع للتنظيم بدرجات متفاوتة.
في الدول الديمقراطية، يتوقع المواطنون من شركات التكنولوجيا، والصحفيين والمجموعات المدنية أن تكون لهم بعض الواجبات العامة، والتي عادة ما يتم إنفاذها من خلال القانون. وقد تجنبت مؤسسات وسائل الإعلام الاجتماعية والتنقيب عن البيانات تحمل هذه المسؤوليات حتى الآن؛ حيث تقوم بجمع وتوجيه البيانات العامة مع القليل من الإشراف العام. وسوف يتطلب تعزيز الديمقراطية إعادة البيانات ذات القمية الاجتماعية العالية إلى العمل من أجل الصالح العام.

*أستاذ القانون لدراسات الإنترنت في معهد أكسفورد للإنترنت وكلية باليول في جامعة أوكسفورد.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Our Data, Ourselves: How to stop tech firms from monopolizing our personal information.

هامش المترجم:
(1) الثلاجة الذكية smart refrigerator هي "ثلاجة" مبرمجة بتقنية عالية، والتي تستطيع أن تعرف نوع المواد المخزنة فيها وأن تحتفظ بسجل للتفاصيل المهمة، مثل تاريخ انتهاء الصلاحية والاستخدام... وهي تعرف أيضاً باسم "ثلاجة الإنترنت".

التعليق