إدارة الفشل...

تم نشره في الاثنين 13 آب / أغسطس 2018. 11:05 مـساءً

الفشل تجربة يعيشها الإنسان والجماعة يوميا ويجري التعامل معها ومع نتائجها بطرق وأساليب وآليات تختلف من ثقافة الى أخرى. بعض الأمم والشعوب تتقبل الفشل وتدرس نتائجه وتعمل على الإفادة منها في تطوير أساليب وحلول أفضل. بعض الثقافات ترى أن الفشل عار لا يمكن احتماله فيتوارى الفاشلون عن المسرح الساياسي أو العمل العام تاركين الساحة لغيرهم من أجل تغيير الأساليب والطرق والأدوات وتخليص الجماعة من كابوس التجربة. في الديمقراطيات العالمية يتنحى زعماء الأحزاب الخاسرة للانتخابات في محاولة لتجديد الدماء وضخ روح جديدة في الحزب والأمة. للأمم الآسيوية طرق مختلفة في التعامل مع الفشل تتمثل في العمل الجاد والمحاولة إذا كان الفشل محتملا والانسحاب أو الاختفاء التام إذا كان الفشل ذريعا.

في الثقافة العربية، يجري تجاهل الفشل وتعمل آليات الدفاع النفسي للأشخاص والجماعات على إعادة قراءة الواقع وتصنيفه على أنه نجاح. في الكثير من الحالات والمواقف، نتجنب الاعتراف بالفشل أو الحديث عنه. غالبية القصص التي نرويها لأنفسنا وللآخرين عما قمنا ونقوم به من أعمال مليئة بالنجاحات. فالآباء يحدثون أبناءهم عن نجاحاتهم والمديرون يسردون للمرؤوسين حكايات عن قدراتهم على تجاوز العقبات وحل المشكلات والسير الذاتية التي نعدها محشوة بالإنجازات والجوائز وتاريخ الحصول عليها... القليل منا يذكر أو يتذكر المواقف والحالات التي تعثر فيها والمناسبات التي أخفق فيها الوصول الى الأهداف. الانتقائية التي نمارسها في بناء سيرنا الذاتية والصور التي نقدمها للآخرين عن أنفسنا تسهم في تغذية المفاهيم غير الواقعية للذات وتحرمنا من فرص الاستفادة من الأخطاء.

الأمهات يتحدثن عن إبداعات الأبناء الذين كانوا دائما الأوائل على صفوفهم، والأبناء يذكرون حكمة الآباء التي لا مثيل لها، والموظفون العامون والشخصيات العامة يسرفون في سردياتهم للإنجازات التي تحققت إبان ولايتهم والرفاه الذي عم البشر والشجر بفضل حكمتهم.

في النهضة العلمية التي قادت الى تفوق الغرب، كان المنهج التجريبي عماد الإنجازات العلمية التي أسهمت في اشتقاق القوانين الفيزيائية والرياضية وسائر العلوم. وفي كل تجربة من التجارب، كان العلماء يدرسون ويحللون أسباب الفشل ويختبرون قوة وتأثير العوامل المختلفة على النتائج. بهذه المنهجية التحليلية والقياس لقوة وتأثير العوامل المختلفة، استطاع الغرب أن يبني حضارة أصبح العقل فيها المشرع والتجربة هي المختبر؛ حيث يجري إخضاع كل النتائج للتدقيق والتمحيص.

استمرار تجاهل مجتمعاتنا للاعتراف بالفشل كأحد مخرجات أي محاولة إنسانية أو مجتمعية والإصرار على إظهار حياتنا ومسيرتنا على أنها سلسلة من النجاحات التي لا تتوقف، من العوائق التي تحرمنا من الإفادة من تجربة هذه الأخطاء وبناء تجارب أكثر تماسكا وعقلانية.

الموقف الذي تتخذه الثقافة العربية من الفشل باعتباره أمرا معيبا وتجنب الجميع الاعتراف بوجوده والتعامل معه كنتيجة محتملة لمحاولاتنا واستمرار إصرارنا على قلب الحقائق والقفز عن بعضها عوائق مهمة في وجه التغيير وبناء الوعي الحقيقي والتصدي لمشكلاتنا بواقعية وموضوعية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »إعجاب بمثل هذه المقالات (" محمد مشهور" شمس الدين)

    الثلاثاء 14 آب / أغسطس 2018.
    نعم.. لن تحل هذه المشكله، اذا ما استمرينا بقلب المفاهيم ( الهزيمه/نصر - السقوط المجتمعي/نجوميه- والقيم الموروثه/ عيب ولا تناسب المقام - والإختلاس والاحتيال/ شطاره وذكاء...) ، وشكرا.