بين الربيع والشتاء

تم نشره في الثلاثاء 14 آب / أغسطس 2018. 11:00 مـساءً

هآرتس

تسفي بارئيل  14/8/2018

غطاء الرأس الاحمر لسعاد عبد الرحيم اخفى شعرها، لكنه لم يخف ايديولوجيتها. عبد الرحيم هي المرأة الأولى التي انتخبت لرئاسة بلدية تونس. هذا حدث في بداية شهر تموز. وهي أيضا ممثلة حزب النهضة الاسلامي، وتمثل الاستراتيجية الجديدة لهذا الحزب الذي يعتبر حفيد لحركة الاخوان المسلمين.

قبيل الانتخابات في السنة القادمة ينوي الحزب بناء شخصية جديدة له كحزب اسلامي ديمقراطي تتلاءم ايديولوجيته مع الجو الديمقراطي الذي يهب بقوة في الدولة منذ أن بشرت تونس بالربيع العربي في 2011. عبد الرحيم التي مهدت لنفسها الطريق للفوز بمساعدة الشبكات الاجتماعية، كانت تستطيع حقا التنافس كمستقلة، وربما حتى أن تفوز، لكنها فضلت الاستجابة لطلب الحزب الديني، وبهذا أن تتحول إلى رمز وليس فقط رئيسة بلدية.

يناسب تونس المزدهرة أن تقف امرأة على رأسها. أبناء المدينة والدولة، من اليسار واليمين، متدينون وعلمانيون، قاموا بتهنئتها بعد أن التقطت صورة وهي تساعد عمال النظافة في تنظيف الارصفة في المدينة. ولكن هذه التهاني توقفت بعد وقت قصير لأنهم الآن في اليسار أصبحوا يخافون من انتخاب عبد الرحيم، التي في ظروف عادية كان يجب أن تحظى بتأييد ليبراليين يساريين، لأنها يمكن أن تسلب منهم اصوات كثيرة في الانتخابات العامة التي يتوقع اجراءها في السنة القادمة.

هذا ليس التناقض الوحيد في موقف اليسار في تونس. الذي يمكنه أن يعقد تحالف توأمة مع اليسار في إسرائيل. قبل حوالي شهر نشر تقرير لجنة حماية حقوق الانسان والمساواة التي عينها الرئيس الباجي قايد السبسي. مضمون التقرير حظي بالترحيب من منظمات حقوق انسان ليس فقط في تونس بل في كل العالم. هو يقترح مساواة كاملة في حقوق النساء والرجال، الغاء عقوبة الاعدام، شطب علاقات المثليين من كتاب المخالفات، ومنح مكانة وحقوق للاطفال الذين ولدوا خارج العلاقة الزوجية، وحتى شطب المفاهيم الدينية مثل الشريعة أو المهر – واستبدالها بـ "تعبيرات حديثة تتناسب مع تطلع تونس لأن تكون دولة مدنية حديثة".

الحديث يدور عن تقرير هام جدا، لأنه اذا تم تبنيه فإن من شأن ذلك أن يؤسس ليس فقط لغة قانونية جديدة، بل تقليل التأثير الرسمي وغير الرسمي للدين في تشكيل الهوية التونسية. التقرير لا يقترح حتى الآن فصل كامل بين الدين والدولة، لكن توجهه واضح. هذا بدون شك استعداد لثورة قانونية ووطنية، التي اذا تحققت ستحول الدين إلى جزء من هوية كل شخص يريد ذلك. ولكن سيمنع عنه أن يكون جزء من هوية الدولة.

لا توجد حركة أو حزب في تونس لا يفهمون المغزى الكبير للتقرير، الذي تعهد الرئيس بأن يعرضه على البرلمان من اجل تحويل بنوده إلى قوانين. كما لا يوجد شك في أن التقرير اثار اختلافا كبيرا وانتقادا شديدا، شخصيا وسياسيا، ضد رئيسة اللجنة عضوة البرلمان بشرى بلحاج حميدا. حميدا التي لقبت بـ "الخائنة" و"الكافرة"، رفضت طلب المنتقدين اجراء استفتاء شعبي على التقرير قبل عرضه على البرلمان. بلغة حادة اغضبت حتى مؤيديها وقالت إن "الشعب التونسي ما يزال لم يصل إلى درجة الوعي المطلوبة من اجل استخدام الاستفتاء الشعبي كوسيلة للانتخاب الديمقراطي".

حميدا لم يكن في نيتها اهانة مستوى الوعي للشعب التونسي. هي ببساطة تعرف أن استفتاء يمكن للقوى الشعبوية والدينية والتقليدية شراء الاصوات فيه والتهديد ولي الذراع، من شأنه أن يدفن التقرير حتى قبل عرضه على البرلمان.

إلا أن التقرير ومبادئه ليست محل اختبار للقيم والهوية. تأييده أو معارضته هي مسائل سياسية تضع اليسار امام معضلة صعبة. اذا كانت احزاب اليسار ستؤيد بصورة حاسمة التقرير فيمكن أن تدفع ثمن كبير في الانتخابات، لكن اذا عارضته فهي ستتلقى لكمة من جمهور مؤيديها التقليديين. وسائل الاعلام التونسية مليئة مؤخرا بالمقالات التي تتساءل لماذا لا يسمع صوت اليسار، وأين اختفت المبادئ التي يتفاخر بها قادته.

هذا الانتقاد يذكر بالانتقاد الذي يتعرض له المعسكر الصهيوني ويوجد مستقبل بسبب غياب عمود فقري ايديولوجي. إن تلعثم زعماء اليسار في تونس الذين في السابق عرفوا كيفية احداث تغييرات قانونية، يوضح جيدا ضائقتهم. عدد منهم يحاول الاثبات بأنهم يؤيدون المساواة في الحقوق، وآخرون يشيرون إلى أنه يجب الاخذ بالاعتبار طابع الدولة وعدم خلق مواجهة مع الجمهور المتدين والتقليدي، لكن يصعب أن تجد زعيم يساري بارز يجيب بصورة قاطعة على سؤال هل هو يؤيد التقرير. لأنه عندما يعتبر الحزب الديني الأكبر والتيارات الراديكالية التقرير كاعلان عن حرب اهلية ومس بالدين والايمان، أي مس بالقومية، اليسار والوسط في تونس يدخلان إلى نفس السجن المسجون فيه اليسار والوسط في إسرائيل.

التعليق