صناعة الإرهاب

تم نشره في الخميس 16 آب / أغسطس 2018. 11:09 مـساءً
  • المبنى الذي ضبطت فيه الخلية الإرهابية في السلط -(الغد)

د. أحمد ياسين القرالة


قد يبدو عنواناً غريباً ولكنها الحقيقة، فالإرهاب صناعة نعم صناعة لها مخططون وممولون ومنتجون، كما أن لها مروجين ومستثمرين، والأهم من ذلك كله أن هذه الصناعة لها أدوات ومواد أولية لوجودها.
أما المواد الأولية والأدوات فهم طائفة من الناس "لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِها" قوم عطلوا عقولهم عن كل تفكير وتدبير، وصموا آذانهم عن سماع كل ما لا يرغبون بسماعه، وأغلقوا أعينهم عن كل خير، فأصبحت عيونهم لا ترى إلا شراً، فهم دائماً ينظرون إلى الجزء الفارغ من الكأس، فأخذوا ينشرون الموت والدمار ظناً منهم أن ذلك بطولة، وجهلوا أن صناعة الموت سهلة، لا تحتاج إلى مقومات سوى الفَلَس بكل معانيه ودلالاته، فليس صعباً أن تصنع موتاً، ولكن ما أصعب أن تصنع حياة أو أن تسهم في صناعتها، انظروا إلى القتل ما أسهله، هذه السهولة التي عبر عنا ابن آدم الأول بقوله لأخيه لأقْتُلَنَّكَ الوارد في قوله تعالى "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ"، انظر إلى الأمر ما أسهله وأهونه إنه كلمة واحدة "لأقْتُلَنَّكَ"، تأمل معي كيف أنه تمكن من القتل، ولكنه عجز -وباعترافه هو- حتى عن مواراة جثة أخيه "قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِيْنَ" أرأيت كيف أن القتل أسهل وأيسر، فالإرهابيون أناس بسطاء سذج لا يفكرون بعقولهم بل بأيديهم، ولا يستشعرون عواقب الأمور ولا يدركون مآلاتها، الموت والقتل وحده هو الحل عندهم، لا لشيء إلا لأنه الأسهل، فهو الأسهل نفسياً، لأن هذه النفوس تهيأت نفسياً على عدم قبول الآخر، فهانت في عيونهم نفوس الناس وأرواحهم، وهو الأسهل واقعياً، لأنه بضغطة زر أو زناد تقتل من تشاء، وتنشر الخراب حيث تشاء.
يظن هؤلاء المساكين أنفسهم أنهم فرسان الساحة وأصحاب القرار وما علم أولئك المساكين أنهم أدوات خراب بيد غيرهم يحركونهم متى شاؤوا وكيفما شاؤوا كما تحرك الدمى، وفرق بينهم وبين الدمى، فالدمى لا تقتل ولا تدمر.
وليت الأمر وقف عند ذلك لكان الخطب أيسر، ولكنهم اتخذوا من الموت وصناعته طريقاً إلى الجنة، فالفناء طريقهم إلى دار البقاء، فقتلهم وذبحهم ذبح شرعي، وليتهم أحسنوا القتل إذ قتلوا، استجابة لقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم "وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبح"، فما أبشع قتلهم وما أقبحه، هذا القتل الذي يمزق الأجساد ويقطع الأشلاء، وينشر الخراب والدمار، يثير الرعب ويفجر الخوف، قتل لا يميز بين صغير وكبير، رجل وامرأة، إنسان وحيوان، فأي قتل هذا؟!
والسؤال الذي يطرح نفسه علينا لماذا يحصل هذا كله؟ وكيف يصل الأمر بالإنسان إلى أن يستهين بروحه وبأرواح الآخرين؟ وكيف يؤول الأمر بالمسلم إلى أن يكون آلة قتل عمياء؟.
وللإجابة عن ذلك، نقول ما كان لكل ذلك أو لبعضه أن يحصل لولا وجود فراغ فكري هائل يغلف حياة هؤلاء الشباب، فيأتي هذا الفكر الغريب والمتطرف ليملأ هذا الفراغ ويسده ولكن للأسف يملؤه بالخراب، فيملأ فراغاً بخراب، كما أنه لا يمكن لنا تبرئة كثير من الآراء والاجتهادات النظرية غير المتبصرة وغير الواعية التي تغذي عقولاً فقدت قدرتها على التفكير والتمييز؛ لأنها اعتمدت التفكير الأحادي والتقليد الأعمى وسيلتها إلى المعرفة.
ما كان أجدر بهذه الآراء والاجتهادات أن تتوجه لبناء العقول بناء سليماً ومنحها القدرة على التمييز بين الغث والسمين، وأن تصنع في هذه النفوس إرادة الحياة بدل إرادة الموت، وعزيمة البناء بديلاً عن عزيمة الهدم، ومحبة الناس بديلاً عن كراهيتهم امتثالاً لقوله تعالى "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ"، وأن يكون الصفح والتسامح هما رائدها وحاديها، وإن يفضل الإنسان الاستسلام للقتل خوفاً من الله على أن يكون قاتلاً حتى لا يكون من النادمين، قال تعالى "لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ".
وأخيراً فإن الواجب على كل العلماء، وما أكثرهم، أن يقفوا وقفة صدق تدين هذه الصناعة القذرة، وتجفف منابعها وتقضي على أدواتها بالفكر المستنير الذي يعتمد النص الصحيح، والرأي الصائب الذي يستنطق النص، ويبتعد عن التهييج والإثارة، والاجتهاد الراشد الذي يتحسس مآلات الأفعال وعواقبها وينأى عن التلقائية والارتجال، ولا يبتغي إرضاء الأتباع والمريدين، اجتهاد يحمي البلاد والعباد من أن يكونوا مسرحاً للتخريب والتدمير خدمة لمخططات مشبوهة.
نعم إن الواجب الديني والأخلاقي يحتم علينا أن نحمي شبابنا من أن يكونوا ضحايا لهذا الفعل المشين، هذا الفعل الذي يكون فيه الكل ضحية القاتل والمقتول، والله من وراء القصد.

التعليق