كيف تتعلم أوروبا الكف عن القلق وحب القوة

تم نشره في الاثنين 20 آب / أغسطس 2018. 11:00 مـساءً
  • الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون – (أرشيفية)

زكي العايدي*

باريس- ربما نجح الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر في تجنب حرب تجارية الشهر الماضي، لكن التحديات التي تواجه الاتحاد الأوروبي تظل بعيدة عن الحل. وفي البيئة العالمية الحالية الأقرب إلى فلسفة توماس هوبز، لن يتمكن الاتحاد الأوروبي من البقاء إلا من خلال زيادة قدرته على استعراض القوة -وهي ليست بالمهمة السهلة في كيان تشكل على وجه التحديد على أساس رفض سياسات القوة والتبرؤ منها.
مع إبرام معاهدة روما في العام 1957، نفضت أوروبا عن نفسها ما تبقى من نزعاتها العسكرية وركزت على بناء سوق موحدة مترامية الأطراف ومسالمة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الوسيلة الوحيدة التي تستعرض بها القوة هي السياسة التجارية.
ومع ذلك، لم تسترشد هذه السياسة قَط بالفكر الاستراتيجي، الأمر الذي جعل نفوذ الاتحاد الأوروبي العالمي محدوداً، على الرغم من نجاحه الهائل في الأسواق العالمية. والآن حان الوقت لكي تعيد أوروبا تأسيس نفسها كلاعب عالمي حقيقي، ليس من خلال محاولة محاكاة قوى عظمى كلاسيكية، بل عن طريق توطيد ونشر أنماط مختلفة من القوة.
تتمتع أوروبا بالفعل بقوة معيارية كبيرة -القدرة على خلق معايير عالمية من خلال ما يسمى تأثير بروكسل- الذي يمكن رؤيته في الجهود المبذولة لكبح جماح شركات التكنولوجيا. على سبيل المثال، يحدد قانون تنظيم حماية البيانات العامة الذي استن مؤخراً مبادئ توجيهية لجمع ومعالجة المعلومات الشخصية للأفراد داخل الاتحاد الأوروبي.
والآن تسارع المنصات الرقمية -بما في ذلك الشركات الأميركية القوية- إلى التكيف والتعديل. كما تتعرض شركات التكنولوجيا الأميركية "الأربعة الكبار" -ألفابيت إنك. (الشركة الأم لشركة غوغل)، وأبل إنك.، وفيسبوك، وأمازون- للضغوط التي يمارسها الاتحاد الأوروبي بسبب مراكزها المهيمنة في السوق.
ومع ذلك، فشل الاتحاد الأوروبي في معظم الأحيان في إدراك قوته المعيارية، ناهيك عن الاستفادة منها بشكل كامل. وهذا يعكس ويعزز الضعف في ثلاث مناطق: تقدير الذات، والوعي بالمخاطر، والقدرة على العمل.
يتضمن تقدير الذات الإيمان بأن الاتحاد الأوروبي مشروع عظيم الشأن، والثقة الضرورية للتعبير عن هذا علناً، وإدراك الإمكانات الحقيقية التي يتمتع بها الاتحاد الأوروبي في ما يتصل باستعراض القوة. وتفتقر أجزاء كثيرة من الاتحاد الأوروبي بشدة إلى كل هذا، بدءا بألمانيا، التي تحرس مواردها بغيرة على الرغم من استعادتها للثقة في مستقبلها.
بينما يوبخ ترامب ألمانيا بسبب تراكم الفائض لديها بدون أن تسهم بالقدر الكافي في شؤون الدفاع عبر ضفتي الأطلسي، يجب أن تكون البلاد أكثر تحفيزاً لاستخدام قدراتها لتعزيز قوة أوروبا. ولكن، وبرغم أن الخطاب في ألمانيا حول تقاسم الموارد بدأ يتحول، فإن التغيرات الملموسة سوف تستغرق بعض الوقت.
يتناقض عدم رغبة أوروبا في رعاية ونشر نفوذها بشكل حاد مع استخدام أميركا العدواني لقوتها السوقية لتعزيز مصالحها وتفضيلاتها. على سبيل المثال، منذ أعلن ترامب قراره بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة للعام 2015 -المعروفة باسم الاتفاق النووي مع إيران- وأعاد فرض العقوبات على إيران، قررت شركات أوروبية عديدة، خوفاً من خسارة القدرة على الوصول إلى سوق الولايات المتحدة، أن تنسحب من إيران.
لإقناع الشركات الأوروبية بالبقاء في إيران، قامت المفوضية الأوروبية بتحديث لائحة الحظر للعام 1996، التي تمنع الكيانات الخاضعة لولاية الاتحاد الأوروبي من الامتثال لعقوبات قائمة خارج الاتحاد الأوروبي، وتسمح للشركات باسترداد التعويضات عن الأضرار الناجمة عن مثل هذه العقوبات، وتبطل تأثير أي حكم صادر عن محكمة أجنبية بناء عليها في الاتحاد الأوروبي. لكن التحديث أثبت كونه غير فعّال، كما اتضح من الموقف الذي واجهته جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك (سويفت)، التي تمثل نظام الرسائل الآمنة المستخدم في تنفيذ المعاملات المالية العالمية عبر الحدود.
كما علمت إيران في العام 2012، فإن خسارة القدرة على الوصول إلى شبكة سويفت تعني بالضرورة فقدان إمكانية الوصول إلى النظام المالي الدولي. ومع ذلك، فإن هذا هو ما تسعى الولايات المتحدة إليه على وجه التحديد: فإذا فشلت شبكة سويفت في قطع إيران بحلول أوائل تشرين الثاني (نوفمبر)، فسوف تواجه تدابير مضادة. غير أن التزام سويفت بهذا المطلب من شأنه أن يدمر أي حافز متبق لدى إيران للبقاء في خطة العمل الشاملة المشتركة. وهذا يرقى إلى فشل سياسي أوروبي كبير، لأن سويفت تخضع لولاية الاتحاد الأوروبي.
كما أظهرت أوروبا افتقاراً انهزامياً للثقة في اليورو أيضاً. فبرغم أن اليورو ثاني أهم عملة في العالَم، فإنه يأتي متأخراً عن الدولار بكل المقاييس تقريباً، مما يزيد من ضعف الاتحاد الأوروبي في مواجهة العقوبات التجارية الأميركية.
وتتلخص نقطة الضعف الثانية التي يحتاج الاتحاد الأوروبي إلى التعامل معها في الوعي بالمخاطر. وعلى سبيل المثال، تحتاج الصين إلى الوصول إلى التكنولوجيا الصناعية في أوروبا لتحقيق طموحاتها الاقتصادية، كما تحتاج إلى الوصول إلى الموانئ الأوروبية لإكمال مبادرة الحزام والطريق. ومع ذلك فإن أوروبا تسمح لنفسها بالخضوع للسلب فعلياً، وخاصة مع استحواذ الصين على مرافق الموانئ والمطارات. ولا بد أن تكون العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والصين أكثر تبادلية، مع إدراك الاتحاد الأوروبي -وخاصة دول جنوب أوروبا وشرقها التي رحبت بالاستثمارات الصينية بأذرع مفتوحة- للمخاطر الأمنية التي تفرضها الأنشطة التي تزاولها الصين.
ولكن، لكي يحدث هذا، تحتاج أوروبا إلى نهج أكثر توحداً في التعامل مع روسيا، التي برغم أن التهديد الذي تشكله للاتحاد الأوروبي أقل من ذلك الذي تفرضه الصين عليه، فإنها حريصة على التأكيد على الانقسامات الداخلية -وتأجيجها. فكيف نلوم اليونان على بيع موانئها للصين، في حين تلاحق ألمانيا مشروع خط أنابيب نورد ستريم 2، الذي سيزيد من اعتماد أوروبا على روسيا في تغطية احتياجاتها من الطاقة؟
يزداد كل هذا تعقيداً بفِعل التوترات المتصاعدة بين أوروبا والولايات المتحدة، والذي يعمل بين أمور أخرى على إفساد التعاون لاحتواء الصين. وهنا تأتي مسألة القدرة على العمل. فبدلاً من انتظار شخص آخر يقاوم رغبة إدارة ترامب في هدم الهياكل متعددة الأطراف، يتعين على أوروبا أن تأخذ زمام المبادرة في تخيل نظام تغيب عنه الولايات المتحدة.
وهذا لا يعني ضمان قدرة النظام التجاري الدولي على البقاء في غياب الولايات المتحدة فحسب، بل يعني أيضاً تطوير القدرة العسكرية الكفيلة بزيادة مصداقية الاتحاد الأوروبي الجيوسياسية وتحويل ميزان القوى العالمي. وهنا تشكل مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإنشاء قوة عسكرية أوروبية خارج نطاق منظمة حلف شمال الأطلسي ضرورة أساسية. ويتوقف نجاحها على نهج تعاوني موحد ربما يضم حتى المملكة المتحدة. والتحدي هنا واضح. لكن العائد -على الاتحاد الأوروبي والعالَم- يستحق بذل كل جهد ممكن.

*أستاذ العلاقات الدولية في جامعة العلوم، كان مستشاراً لرئيس الوزراء الفرنسي الأسبق مانويل فالس.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق