محمد أبو رمان

الطفل المنبوذ!

تم نشره في الاثنين 20 آب / أغسطس 2018. 11:10 مـساءً

قرّر مجلس الوزراء نقل وحدة مكافحة التطرّف إلى رئاسة الوزراء وتشكيل لجنة وزارية لتقييم عملها وتقديم تصوّر لكيفية تطويرها، وهي خطوة مهمة، لكن الأهمّ أن تنتهي حالة الحيرة والإرباك في التعامل مع هذه الوحدة، والسياسات الرسمية بهذا الاتجاه، وأن تكون لدينا رؤية واضحة للمستقبل!
الطريف في الأمر أنّ وحدة مكافحة التطرف، التي تعود فكرة إنشائها لوزير الداخلية الأسبق، حسين المجالي، أصبحت يتيمة بعد خروجه من الحكومة، وبدأ المسؤولون يركلونها من جهة إلى أخرى، فيما وُلدت خطة مكافحة التطرف، التي أنتجتها حكومة عبدالله النسور ميتة، بلا أي قيمة، وتعاملت معها الحكومات بوصفها "خطة سريّة" للغاية، وكأنّها بالفعل مهمة، لكن كما يقال "جنازة حامية والميّت كلب"!
على أيّ حال؛ أثبتت التطورات والأحداث الأخيرة أنّ جهودنا الوقائية والعلاجية ومقاربتنا المدنية والرسمية فاشلة بامتياز في جهود مكافحة التطرف والإرهاب، وليس لدينا تصوّر ولا رؤية سوى مؤتمرات وندوات وضوضاء وشعارات، وأموال تنفق، ثم في النهاية ينطبق علينا المثل "أوسعتموهم شتماً وذهبوا بالإبل"!
الآن، بعد الأحداث الأخيرة يبدو أنّ الحكومة الحالية تنبّهت إلى هذا الملف، ولم يكن في البداية على جدول أعمالها، لأنّ الفرضية التي سادت محلياً وعالمياً هي تراجع "داعش" بعد انهيار دولته في العراق وسورية، بينما رسالة السلط تؤكّد أنّ الفكر لم يمت والتيار قوي وحاضر، بل ربما الوضع سيكون أكثر سوءاً في المرحلة المقبلة.
إذاً خطوة مهمة وجيدة من الرئيس الرزاز بنقل وحدة مكافحة التطرف إلى رئاسة الوزراء. لكن ذلك لا يكفي، فمن الضروري -دولة الرئيس- أن نبني رؤية واضحة للفلسفة والثقافة والقيم والنظريات التي سيستند عليها كل من الدولة والمجتمع المدني في مواجهة التطرف والإرهاب.
من المهم أن يكون ذلك وفق خطة عمل وطنية حقيقية، وليست مستوردة. بالمناسبة كل المؤسسات والتمويل وأغلب الخبراء الذين يعملون على ذلك في الأردن اليوم هم غربيون، والهدف مالي لا أكثر، لأنّهم يفتقدون المفاتيح المطلوبة وإدراك أبعاد الظاهرة ومستوياتها. أما المؤسسات المحلية فتحولت إلى دور "السمسرة" لجمع الأموال لتحقيق أهداف وهمية!
القصة -دولة الرئيس- ليست في تشكيل لجنة وزارية ولا فقط في نقل الوحدة إلى رئاسة الوزراء (وإن كانت هذه خطوة مهمة)، ولا في من يترأس الوحدة؛ إذ ترأسها سابقاً شريف العمري وكان متميزاً وله فكر نقدي، والآن ميساء العوران -التي كما عرفت من مسؤولين ووزراء- تملك خبرة مهمة في هذا المجال ومتقدمة في المجال العلمي.
إذاً أين المشكلة؟!
هي في ضعف استقلالية هذه الوحدة، وعدم إعطائها مساحة حركة وميزانية، والأهم من كل ذلك لم يتم منحها صلاحيات حقيقية للدخول على برنامج التطرف والإرهاب ومكافحته، وكانت هذه شكوى شريف العمري (حينها). فالوحدة كانت مثل الطفل المنبوذ والمسخوط في أوقات، والقاصر الذي يريد البعض ممارسة الوصاية عليه في أوقات أخرى، فقبل مواجهة التطرف والإرهاب، من الضروري مواجهة العقلية الرسمية التي تتحكم في برامج مكافحة التطرف والإرهاب.
بحاجة اليوم إلى سياسات واضحة وتقييم وتقويم للبرامج الحالية: الوقائية، كالثقافية، والعلاجية، مثل برنامج السجون، والعديد من الجوانب المهمة والرئيسية التي لا يوجد أي إضاءة عليها، وكأنّنا نعيش في حالة من العتمة في مواجهة التطرف!

التعليق