علاء الدين أبو زينة

المساءلة في كل الاتجاهات..!

تم نشره في السبت 25 آب / أغسطس 2018. 11:07 مـساءً

قد يتساءل المواطن، إذا تضرّر من سوء خدمة عامة، عما إذا كان له الحقّ في مقاضاة الجهة المسؤولة عن الخدمة في الدولة. ويساورني هذا السؤال يومياً لدى المرور من مقطع في الطريق يُمكن وصفه باطمئنان بأنه وصفة للحوادث. ويفرض تصميمه تقاطع حركة السير في شكل حرف "إكس" الإنجليزي بشكل إجباري، من دون أي شيء يحدد الأولويات سوى التدافع للخروج من عنق زجاجة. ولا بدّ أن يتنفس الخارج من الاختناق بين عشرات المركبات المتصارعة الصعداء. فهل إذا وقع حادث لأحد هناك، يستطيع أن يقيم دعوى على الجهات المسؤولة ويطالب بتعويض الضرر، في ضوء تهيئة بيئة مساعِدة للحوادث من دون البحث عن حل؟
هذا مجرد مثال بسيط لتقريب الفكرة. لكنَّ هناك عددا لا حصر له من الأمثلة على المواقف التي يشعر المواطن فيها بالغُبن ويتضرر مادياً ومعنوياً بسبب سوء الخدمات العامة أو الإدارة. ويفكّر في أنّ شيئاً لن يُعفيه من أداء ما يتوجب عليه للدولة، في حين لا يمتلك وسيلة لاستيفاء حقوقه التي غالباً من يكون قد دفع ثمنها -مالاً وعملاً- حتى آخر فلس.
تبدو "مقاضاة" الدولة، ممثلة بالجهة المسؤولة عن إلحاق ضرر، غريبة بعض الشيء ولو أنها منطقية. وعادةً ما تكون الوسيلة هي إعلام الإعلام، أو انتباه الإعلام، إلى الخلل في الخدمة وتوجيه ضوء عليه، لتستجيب الجهة التي يصلها صوت الجرس بالإصلاح. وفي حالات أخرى، يمكن أن يلجأ المجتمع المتضرر إلى ممثليه في السلطة التشريعية، الذين يوصلون صوته ويمارسون "سلطتهم" الرقابية لإلزام التنفيذيين بالحل.
في تصوُّري العنيد، يحقّ لمواطن راجع دائرة حكومية لاستخراج وثائق تبيّن أنها مفقودة من الأرشيفات حيث يجب أن تكون، أن يقاضي الدائرة ويُحملها المسؤولية عن تقصير يُعطل مصالحه. ويحقّ لمواطن تعرض لحادث سير في الليل لأن أضواء الشارع مطفأة أو لغياب العاكسات عن جانب الطريق أن يقاضي الجهة المسؤولة ويُحملها كلفة الضرر المادية والمعنوية. لكنّ لهذه التصورات البسيطة عن "مقاضاة الدولة" توصيفا قد يكون أكثر قبولاً وشمولية، هو "المساءلة" التي تستطيع وحدها ضمان الحقوق ويعني غيابها الاضطراب الحتمي وانتشار المظالم في منظومات الدول والمجتمعات.
في النهاية، يكون المتسبب في سوء الخدمة تراتب وظيفي، من عامل التنفيذ صعوداً إلى صاحب قرار اعتماد التصميم والتنفيذ، مروراً بكل مَن بينهما، حين لا يتعرض هؤلاء إلى المحاسبة والتدقيق على الأداء. ومن المنطقي أن يكون المسؤول عن محاسبة كل السلسلة رأس الهرم، صاحب "المشروع" بالمعنى المجازي، أو المسؤول الكبير. ومن الطبيعي أيضاً أن تفسُد السلسلة كلها إذا كان هذا الرأس ناجياً من المحاسبة بدوره. وعند نقطة ما، تسود في دائرة النافذين قاعدة "مشّيلي بمشّيلك"، عندما يتوافق هذه الدائرة على تخدير مبدأ المساءلة، ويحتفظ الكل بحصانته.
نظريّاً، يجب أن تكون المساءلة حركة في كل الاتجاهات. المسؤولون يحاسبون المسؤولين، والدولة تحاسب المواطن، والمواطنون يستنطقون المسؤولين (الدولة). ولهذا كله آلياتٌ معروفة لا تحتاج إلى عبقرية. لكن المعادلة تختلّ وتفسد المنظومة كلها إذا تحركت المساءلة في اتجاه واحد، نحو الأسفل فقط. وينبغي أن تكون أدوات المواطن لاستيفاء حقه هي "المقاضاة" فقط بمعناها الحرفي، وإنما الإعلام، والنواب، وأي تجمعات مثل النقابات والروابط وأي أطر تقلل إحساس الفرد بالوحدة والهشاشة، وبأنه بلا ظهير.
ولكن، إذا كان فم الإعلام مكمماً، وكانت الهيئة التشريعية والرقابية أضعف السلطات أو بلا سلطة -أو مصممة سلفاً بحيث لا تكون تمثيلية ولا ما يحزنون، وكانت الروابط ديكورات أو كيانات منفصلة عن مكوناتها، فبماذا يستوفي المواطن حقوقه ولا يكون الطرف المغبون و"المسؤول" الوحيد؟
بما أن الدول والكيانات هي مجموع أفراد، تكونت لخدمة مصالحهم وتعيش بهم، يُفترض أن يكون المواطن الفرد هو صاحب الحقوق النهائي والمستوفي لها حتى يستقر التكوين بدرجة من الرضا. وإذا جُرد المواطن العادي من أدوات المساءلة بينما تُسلط عليه وحده سياط المساءلة، فسيفلتُ كل نافذ بما يستطيع، ولن يستقيم اقتصاد ولا سياسة. وسيبقى الشعور السائد هو ضيق المحاصَر في تقاطع حرف "إكس"، مكرّراً على طول الطريق!

التعليق