لماذا عارض أفنيري الدولة الواحدة

تم نشره في الأحد 26 آب / أغسطس 2018. 11:00 مـساءً

هآرتس

نحميا شترسلر  26/8/2018

سُجي يوم الجمعة جثمان أوري أفنيري في مقر نقابة الصحفيين "بيت سوكولوف". مئات الصحفيين، السياسيين والمعارف جاؤوا لتأدية الاحترام الأخير. ففي نهاية المطاف كان أفنيري أولا وقبل كل شيء صحفيا، وليس مجرد صحفي، بل الصحفي رقم واحد. ولكنه كان المفكر المركزي لمعسكر السلام، وإذا كان ثمة موضوع واحد اغاظه حقا، فهو الموضة الجديدة لتأييد "الدولة الواحدة". من ناحيته يعبّر هذا التأييد عن يأس يمس بالكفاح من اجل الحل الصحيح. فقد كان أول من تحدث، منذ الخمسينيات، عن اقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، الفكرة التي ترجمت بعد حرب الأيام الستة إلى صيغة "دولتين للشعبين".

"يدور الحديث عن رومانسيين لا يفهمون طبيعة الإنسان"، أجابني أفنيري على سؤالي عن رأيه في حل الدولة الواحدة، "هم لا يتعلمون من التاريخ". وشرح قائلا إنه قبل ملايين السنين فضل الإنسان ان يتجمع في جماعات صغيرة وفرت له الأمن وشعور الانتماء. وبعد ذلك انتظم كقبائل وفرت له احتياجات مشابهة. اما اليوم فتحل القومية والدولة محل القبيلة، ولكن الدور مشابه: توفير الأمن في وجه كل تهديد خارجي وداخلي من خلال الجيش والشرطة، واعطاء مظلة اقتصادية واجتماعية لحين الضائقة وتلبية الحاجة النفسية العميقة للانتماء إلى جماعة محددة.

من اجل الحفاظ على الجماعة وخلق احساس الانتماء، فإن كل قومية تمكنت من تمييز نفسها عن القومية الاخرى بواسطة اللغة، الثقافة، التاريخ والدين المختلف. هكذا حافظ اليهود على هويتهم القومية على مدى الفي سنة إلى أن عادوا إلى بلاد آبائهم واجدادهم، وهذا بالضبط ما يريده الفلسطينيون الآن. دولة قومية مستقلة، منفصلة عن إسرائيل.

وعليه، قال أفنيري إن كل محاولة مصطنعة لتوحيد هاتين القوميتين المختلفتين في دولة واحدة تقريبا مناصفة محكومة بالفشل،. مثل هذه الدولة المصطنعة ستعاني من حرب اهلية داخلية لا نهاية لها على السيطرة: من يقف على رأسها، من يحظى بالميزانيات. هذه ستكون حرب أهلية بكل الوسائل، بما في ذلك الإرهاب والقتل. وثمة على ذلك نماذج كثيرة في التاريخ، وعليه فإن "الدولة الواحدة هي فكرة شوهاء عديمة الاساس. طوباوية عديمة الأمل".

خلال العام 2007 اجرت "كتلة السلام" جدالا داخليا حول الموضوع. أفنيري مقابل المؤرخ ايلان بابيه. أفنيري قال إن "الدولة ثنائية القومية معناها حل دولة إسرائيل، و99 في المائة من الجمهور اليهودي غير معني بالحل". وقال إن "اغلبية واسعة من الشعب الفلسطيني تريد دولة خاصة به، وهذا مطلوب لاعادة عزته القومية، واشفاء صدمته، ومن يفكر خلاف ذلك، يقع في خطأ الاحلام". بل قال إنه "يوجد فلسطينيون يتحدثون عن دولة واحدة، ولكن هذه الشيفرة لحل دولة إسرائيل". 

وسأل، "كيف ستؤدي "الدولة الواحدة" مهامها؟"، "هل ساكن بلعين سيدفع الضرائب مثل ساكن كفار سابا؟ هل سكان جنين ونتانيا سيصيغون معا دستورا؟ هل سكان الخليل والمستوطنين سيخدمون في ذات الجيش؟"، بل إن أفنيري توقع أنه في "الدولة الواحدة" سيكون اليهود هم السائلون، بسبب تفوقهم الاقتصادي والتكنولوجي، والفلسطينيون سيتحولون ليصبحوا حطابين وسقاة ماء، وبالتالي فإن الاحتلال سيستمر بشكل خفي، إلى أن تأتي المرحلة التالية، نشوب حرب اهلية مضرجة بالدماء على السيطرة.

"دولة واحدة هي طوباوية وعلينا أن نحذر من الطوباويات"، أجمل أفنيري؛ "الطوباوية تبدو كالنور الصافي في نهاية النفق، ما يجذب القلب، لكن هذا نور مضلل سيدخلنا إلى نفق بلا مخرج". وبالتالي لعله من المجدي أن ننصت له في هذا الموضوع أيضا؟

 

التعليق