مفاهيم مغلوطة

تم نشره في الخميس 30 آب / أغسطس 2018. 11:00 مـساءً

د. أحمد ياسين القرالة

كنا تحدثنا في مقالات سابقة عن إدارة الأسرة، وتوقفنا عن ذلك في الأسبوع الماضي للحديث عن الإرهاب نظرا للظرف الذي مرّ على الأردن، وفي هذا المقال نستكمل الحديث عن أثر المفاهيم المغلوطة في التعامل مع النصوص الشرعية على استقرار الأسرة وتماسكها.

وهنا يصل بنا المقام للحديث عن ضرب الزوجة الناشز، استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾.

وقد فهم بعض الأزواج هذا النص فهماً خاطئاً فأصبح الضرب والعنف منهجاً في التعامل مع الزوجة، وأضحت اليد هي الوسيلة الوحيدة لمخاطبة الزوجة والتحاور معها، فهل حقاً يجوز للزوج ضرب زوجته وما هي حدود هذا الضرب ومبرراته؟

وللإجابة عن ذلك، نقول إن الآية تتحدث عن نشوز الزوجة، وقد بينا في مقالات سابقة مفهومه وحدوده، وبالتالي فهذه الآية تعالج حالة النشوز فقط، ولا يجوز توظيفها في غير مجالها، وقد حددت الآية الطرق التي يتم من خلالها إصلاح النشوز وإعادة الأمور إلى سابق وضعها، وهي على الترتيب الآتي:

الوعظ، وهو أول ما يعالج به الزوج خلافه مع زوجته، وليس ذلك علاجاً لنشوز واقع بل لنشوز متوقع، لقوله تعالى ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ فهو إجراء وقائي واحترازي، يدفع إليه حرص الزوج على الزوجة والرغبة في استمرار الحياة الزوجة بدفع كل ما يتوقع أن يؤدي إلى تهديدها وتعكير صفوها، فالوعظ هو الذي يجعل الزوج يقف على سبب النشوز وعلته، الذي يكون الزوج هو سببه ومصدره.

الهجر في المضجع، وهو جزاء من جنس العمل، والمراد به هنا ترك معاشرة الزوجة وهو علاج نفسي مهم، فلا يدخل في هذا الإجراء ترك محادثة الزوجة أو هجر منزلها ولا حتى غرفة نومها، فهو علاج ولا ينبغي للعلاج أن يتجاوز مقداره، أو أن ينحرف عن غايته ومقصده.

الضرب: وهو آخر ما يلجأ إليه الزوج، وقد فسره ابن عباس في إجابته لسؤال عطاء عندما سأله: ما الضرب غير المبرح؟ قال: بالسواك ونحوه" ويشترط فيه:

- أن يكون ضربَ أدب؛ أي أن غايته الإصلاح والتقويم، فليس هو ضرب العقوبة والانتقام.

- أن يتعين وسلية للتأديب فلا يجوز اللجوء إليه إلا بعد استنفاد الوسائل الأخرى بطريقة صحيحة وسليمة.

- أن يحقق مقصده وغايته وهو الإصلاح والتأديب، فإذا كان الضرب لا يؤدي إلى هذه النتيجة فهو ممنوع؛ إذ الأصل في الضرب هو الحرمة؛ لأنه ألم يلحق بالإنسان، والأصل عصمة الإنسان وصيانته عن الألم، ولكنه إذا تعين وسيلة للإصلاح والتأديب جازت هذ الوسيلة للضرورة بشرط أن تحقق مقاصدها، فإذا تنكبت هذه الوسيلة لغايتها وأدت إلى نقيض مقصودها منعت، لأن كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل.

- أن لا يتجاوز الحد المسموح به؛ لأن الضرب شرع للضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾.

ونحن إذا نظرنا إلى هذه القيود وأضفنا إليها قوله تعالى ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ وسنة النبي عليه السلام أنه ما ضرب يوماً زوجة من زوجاته، فقد روى مسلم عن عَائِشَةَ رضي الله عنها، قالت: "ما ضَرَبَ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  شيئا قَطُّ بيده ولا امْرَأَةً ولا خَادِمًا"، أدركنا أن مثل هذه العقوبة تغدو نظرية، ورسالة صارخة للمرأة الناشز التي عجزت كل طرق الإصلاح الطبيعية المقررة لإصلاح الأسوياء عن إصلاحها.

وفي زماننا هذا الذي فسدت فيه الضمائر واختلت فيه القيم، أجدني ميالاً للقول بمنع استخدام هذه الوسيلة، وعلى الزوج المتضرر أن يلجأ للقضاء لعلاج نشوز زوجته، وذلك لما يأتي:

- إن الواقع يدل على أن الضرب الذي يقع على الزوجات هو ضرب مبرح، وهو مؤلم ومهين للزوجة، ولا تتوفر فيه شروط الضرب المعتبرة شرعاً.

- إن تأديب الزوجة بالضرب لا يخرج على كونه مباحاً؛ إذ لا يجب على الزوج فعله، والمباح يجوز تقييده للمصلحة خاصة إذا أفضى إلى مآلات ممنوعة، وكان هناك من البدائل ما يغني عنه، مع العلم أن بعض العلماء ذهب إلى كراهته، فقد ترجم الإمام البخاري أحد أبوابه بقوله "ما يكره من ضرب النساء"، وأورد فيه قول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَجْلِدُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ يُجَامِعُهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ".

- سوء فهم الناس في هذه الأيام لمفهوم القوامة والنشوز والطاعة الزوجية، يؤدي إلى المزيد من الضرب، فلا يجوز أن تبقى مصالح الناس معلقة بسوء الفهم، لأن ذلك يجلب من المفاسد أكثر مما يدفع من المضار.

لأجل ذلك، ذهب بعض المعاصرين إلى أن المقصود بالضرب في هذه الآية ليس هو الضرب المادي الذي يلحق الأذى الجسدي بالبدن، وإنما هو هجر الزوجة كلياً، بعد أن عجز الهجر في المضجع عن إصلاحها، لأنه هو المعنى المناسب للضرب الذي يؤدي إلى الإصلاح والوفاق، بخلاف الضرب الذي قد يؤدي إلى النفرة والعناد، ودليلهم على ذلك هو استقراء وجوه المعاني التي جاء فيها لفظ (الضرب) ومشتقاته في القرآن الكريم فكانت ستة عشر وجهاً، فكانت عامةُ معانيها في السياق القرآني هي العزل والمفارقة والابتعاد.

كثيراً ما يخرج الضرب على أهدافه ومقاصده، ويتجاوز حدوده، والذي يحمل الزوجات على السكوت عنه والرضا به أسباب عائلية واجتماعية، فيستغل الزوج هذه الظروف وهذا السكوت فيستمر في عنفه، ويتمادى في فعله.

إن الواقع يدل على أن الضرب في العديد من الحالات يحصل أمام الأولاد أو أمام الآخرين، وهذا يؤدي إلى أذى نفسي بالغ للزوجة؛ إذ يحط من قدرها ومكانتها في نظر أولادها، ويلحق الضرر بنفسيات الأبناء ويفقدهم الثقة بوالديهم، فلا يعود لهذه الأم التي تُضرب أمامهم هيبة أو احترام، مما يفقدها قدرتها على التربية والتوجيه، فتغدو كلمتها غير مسموعة ورأيها غير مطاع، كما يبعث على كراهية الأب، فيصبح مصدر قلق وخوف عوضاً عن أن يكون مصدر أمن وطمأنينة، مما يؤدي في النهاية إلى تشويه نفسيات الأبناء وتحطيم معنوياتهم ويجعل العنف والقوة الوسيلة الوحيدة للتغلب على المشكلات، فتستمر دوامة العنف ولا تنتهي.

التعليق