أخلاقيات ألمانية مزدوجة

تم نشره في الأحد 2 أيلول / سبتمبر 2018. 11:00 مـساءً

اسرائيل هيوم

الداد باك

بعد هزيمة المانيا في الحرب العالمية الثانية نشأت "مشكلة لاجئين المان": المان، كانوا يسكنون منذ اجيال في دول وسط اوروبا وشرقها او وطنهم فيها النازيون مع احتلالها، هربوا خوفا من اعمال الثأر او طردوا بمنهجية من بولندا، تشيكوسلوفاكيا، الاتحاد السوفياتي، هنغاريا، المانيا ويوغسلافيا. وتراوح عدد النازحين الالمان بين 12 و14 مليون نسمة. حجم الممتلكات التي خلفوها وراءهم قدر في حينه بمئات مليارات الماركات.
12 مليونا إلى 14 مليون نسمة، بحجم دولة متوسطة. كلهم استوعبوا في الالمانيتين اللتين قامتا بعد الحرب، ولا سيما في الغربية. ولم تؤسس الاسرة الدولية وكالات غوث خاصة لأولئك اللاجئين. فقد كان أمرا مفهوما من تلقاء ذاته ان الالمان – رغم وضعهم الاقتصادي المتضعضع، بصفتهم مبادرين للحرب العالمية – هم من سيحرصون على العناية بجماهير لاجئيهم. وهذا ما حصل بالفعل: فاللاجئون الالمان انزلوا بداية في معسكرات مؤقتة أو في بلدات خاصة، ولكن بسرعة شديدة، وأساسا بفضل "المعجزة الاقتصادية" لالمانيا الغربية في الخمسينيات والستينيات، استوعبوا في سوق العمل واندمجوا في المجتمع. لم يخلدوهم كـ "مشكلة سياسية" في ظل الابقاء المقصود والممنهج لمسكنتهم وبؤسهم. كان واضحا للالمان ان احدا لن يشفق عليهم وأنه من أجل اندماجهم من جديد في حضن اوروبا والعالم عليهم ان يتنازلوا عن احلام "العودة"، التعويض او استعادة الممتلكات. كما تخلى الالمان عن مناطق نزعت من المانيا وضمت بعد الحرب إلى دول اخرى.
وها هي المانيا ذاتها تصبح سيدة "مشكلة اللاجئين الفلسطينيين" ووكالة الغوث التي اقيمت لضمان تخليد هذه المشكلة، إلى أن يتمكن "اللاجئون الفلسطينيون" من العودة إلى ديارهم، أي حتى تصفية دولة إسرائيل. تعرف المانيا جيدا جدا كيف ينبغي التعامل مع "مشكلة اللاجئين الفلسطينيين". فلو طبقت اساليب الاستيعاب الالمانية بالنسبة لأولئك الذين فروا في الـ 1948 وفي الـ 1967 من اراضي إسرائيل، لكان ممكنا منذ زمن بعيد التقدم نحو تسوية سياسية.
ولكن المانيا قررت تأييد النهج العربي الذي يخلد مسألة "اللاجئين الفلسطينيين"، بشكل ليس فقط أنسالهم بل والابناء المتبنين أيضا يصبحون تلقائيا لاجئين يستحقون الاغاثة الدولية. لقد انكشف حجم المساعدات الالمانية للوكالة في البوندستاغ مؤخرا: في العام 2005 بلغت هذه المساعدة 2 مليون يورو، أما في 2017 فبلغت اكثر من 80 مليون.
وكما هو معروف، فإن عدد "اللاجئين الفلسطينيين" لا يكف عن الازدياد. ضمن امور اخرى بفضل دعم المانيا التي تهرع الان لسد "الثقب" الذي احدثته الادارة الأميركية في صندوق الاونروا. وينشأ السؤال: ما هي المصلحة الالمانية في تخليد "مشكلة اللاجئين الفلسطينيين"؟ هل الصديقة الافضل لإسرائيل مجندة لفعل تصفيتها؟
لالمانيا يوجد مال كثير، وذلك أيضا بفضل نجاحها في دمج لاجئي 1945 في الاقتصاد الالماني. لقد كان صعبا جدا على الالمان ان يدفعوا التعويضات للناجين من الكارثة. ولكن بدلا من أن يستخدموا هذا المجال لهدف يتآمر على دولة اليهود، لعله من المجدي ان يجروا اعادة الحساب للمسار: تقديم مساعدة المانية سخية لتصفية مخيمات اللاجئين واسكان "اللاجئين الفلسطينيين" بشكل دائم، مرتب وانساني في اماكن سكنهم في أرجاء الشرق الاوسط. مثل هذه السياسة ستكون تعبيرا مناسبا لصداقة شجاعة يفترض أن تكون بين المانيا وإسرائيل.

التعليق