ما هي الهوية؟ مداخلات فوكوياما وأبياه

تم نشره في الاثنين 3 أيلول / سبتمبر 2018. 11:00 مـساءً
  • تعبيرية للفنان ماتيو باوريل – (المصدر)

 

أناند جيريدهاراداس* - (نيويورك تايمز) 27/8/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

يعتقد أبياه بأننا متورطون في حروب الهوية لأننا نستمر في ارتكاب الخطأ نفسه: المبالغة في إبراز اختلافاتنا عن الآخرين وتشابهاتنا مع نوعنا الخاص. إننا نفكر في أنفسنا كجزء من قبائل متجانسة، والتي تقف ضد القبائل الأخرى، في حين أننا جميعاً ننطوي على جموع. ولدى فوكوياما، الأقل عالَمية والأقرب إلى فكرة الدولة القومية، تعاطف أكبر مع الناس الذين يتشبثون باختلافهم. وهو يعتقد بأن ذلك هو استجابة طبيعية لعصرنا -لكنه يعتقد أيضاً كما يبدو بأننا إذا لم نعثر على طريقة لتضمين الهويات الضيقة في هويات وطنية، فإننا سوف نموت جميعاً.

*   *   *

عالِم سياسي ياباني-أميركي، وفيلسوف غاني- بريطاني- أميركي يدخلان حانة حيث يحتدم شجار حول الهوية. "كفوا عن الاقتتال"، يصرخ الفيلسوف. "الهويات التي تتقاتلون من أجلها محض أكاذيب". ثم يتدخل العالم السياسي: "إنها ليست أكاذيب"، يقول العالِم. "إنها الهويات الخطأ لتقتتلوا من أجلها فحسب".

وينجح المفكران في إنهاء الصراع، لأن المتشاجرين يغادرون إلى حانة أقل إثارة للخصام.

العالِم السياسي في قصتي هو فرانسيس فوكوياما، صاحب الإعلان الشهير عن "نهاية التاريخ"، ثم عندما واصل التاريخ سيره، قال إن الأمر يعتمد في نهاية المطاف على معنى "النهاية". والفيلسوف هو كوامي أنتوني أبياه، وهو مفكر عالَمي من حيث الخلفية والخيار، والذي يجادل بأننا جميعاً مواطنون للعالم. والحانة، للأسف، هي بلدنا المتشاجِر الصاخب-وغيره من أمثاله.

ها هما رجلان حكيمان من حملة الدكتوراه، يستكشفان ما إذا كان بوسعهما التدخل في حروب الهوية التي تعاني منها الآن الكثير من الأمم. وينتمي كلا الكتابين إلى واحد من أكثر الضروب أهمية في الوقت الراهن: كتاب "ما ليس عن ترامب، وإنما عن ترامب بشكل ما أيضاً". وثمة توقٌ إلى فهم هذه اللحظة، وإنما عن بُعد.

يساعد كلا الكتابين في شرح ما هو أكثر بكثير من ترامب. فهما يبحثان في: #أنا أيضاً؛ والقومية البيضاء؛ والقومية الهندوسية؛ و"حياة السود تهُم". والجدالات التي تدور في حرم الجامعات حول الامتياز والاستيلاء؛ وسورية؛ والإسلاموية؛ وانتشار الشعبوية وتراجع الديمقراطية على مستوى العالم؛ وصعود اليمين المتطرف في أوروبا؛ وصعود اليسار المتطرف في الولايات المتحدة. وهي ظواهر تضج كلها بأسئلة الهوية: "مَن أنا"؟ و"إلى ماذا أنتمي"؟ ويبحث أبياه وفوكوياما في كتابيهما عن الإجابات.

يعتقد أبياه بأننا متورطون في حروب الهوية لأننا نستمر في ارتكاب الخطأ نفسه: المبالغة في إبراز اختلافاتنا عن الآخرين وتشابهاتنا مع نوعنا الخاص. إننا نفكر في أنفسنا كجزء من قبائل متجانسة، والتي تقف ضد القبائل الأخرى، في حين أننا جميعاً ننطوي على جموع. ولدى فوكوياما، الأقل عالَمية والأقرب إلى فكرة الدولة القومية، تعاطف أكبر مع الناس الذين يتشبثون باختلافهم. وهو يعتقد بأن ذلك هو استجابة طبيعية لعصرنا -لكنه يعتقد أيضاً كما يبدو بأننا إذا لم نعثر على طريقة لتضمين الهويات الضيقة في هويات وطنية، فإننا سوف نموت جميعاً.

يبدأ أبياه كتابَه "الأكاذيب التي تُلزِم" بملاحظة أنه كثيراً ما يُسأل، كرجل صاحب هوية غامضة ومراوغة: "ما أنتَ"؟ ولذلك يشكل كتابه رحلة استكشاف للسبب في أن الناس يشعرون بالحاجة إلى تثبيت الهويات -إضفاء الطابع الجوهري والأساسي عليها- وكيف يمكننا أن نهرب من هذا التثبيت.

مشروع أبياه هو الإشارة إلى أخطائنا الأكثر شيوعاً لدى التفكير في خمسة أنواع من الهوية، والتي يصادف أنها تبدأ جميعاً بالحرف الإنجليزي (c): العقيدة creed؛ والبلد country؛ واللون color؛ والطبقة class؛ والثقافة culture. (يمنح هذا الاقتراح الذكي برهاناً لفكرته العالَمية: يمكن لفيلسوف مولود في بريطانيا أن يكون أيضاً بائعاً متجولاً أميركياً).

من بين الأخطاء التي نرتكبها: في شأن المتغير الأول، العقيدة، أننا نميل إلى التفكير في الأديان على أنها "مجموعات من المعتقدات الثابتة غير القابلة للتغيير" بدلاً من التفكير فيها على أنها "ممارسات ومجتمعات قابلة للتغيير". إننا نجعل الدين اسماً عندما ينبغي أن يكون في الحقيقة فِعلاً، وهو ما يفسح المجال أمام صعود الأصولية. وعندما يكون الدين "معلناً كنشاط، وليش كشيء"، فسيكون من الأسهل القبول بأن "طبيعة الأنشطة هي جلب التغيير".

وفي موضوع البلد، نقوم بخلق "خيار قسري بين العالَمية والوطنية". إننا نفضل الناس من أصحاب الإجابات السهلة عن سؤال "ما أنت"؟ بينما نزدري ونقصي أولئك الذين يصفهم أبياه بأنهم "المعترفون بالازدواجية". وعادة ما ننسى أن ديمقراطية حديثة، شعبوية وليبرالية مثل أميركا "ليست مصيراً وإنما هي مشروع". 

في مسألة الثقافة، يقول أبياه أن علينا أن "نتخلى عن فكرة ’الحضارة الغربية‘ ذاتها"، لأن فكرة وجود جوهر غربي متمايز -"فرداني وديمقراطي وذي عقلية ليبرالية ومتسامح وتقدمي وعقلاني وعلمي"- تتجاهل حقائق أساسية عن الغرب وكل مكان آخر. ولكن، تماماً بينما يكف الناس في اليسار عن التصفيق لذلك، فإنه يشجب شكاوى اليسار من "الاستيلاء الثقافي"، لأن الثقافة أعقد كثيراً من أن تكون لها سلسلة واضحة من العناوين -وكما يقول- لأن "أولئك الذين يقومون بتحليل هذه التجاوزات على أساس شروط المُلكية، قبِلوا بنظام تجاري غريب عن التقاليد التي يهدفون إلى حمايتها".

كثيراً ما تكون كتابة أبياه منعشة، بل وجميلة: علماء القرن التاسع عشر الذين حاولوا أن يجعلوا من لا-شيء العرِق شيئاً كانوا "قد جُندوا لإعطاء محتوى للون". لكن ثمة تحذيراً عادلاً مع ذلك: هذا الكتاب يحاول أن يجلب قدراً مقلقاً من كلام الفيلسوف -من كل من اللافتات اللاإرادية المتشنجة من نوع "أنا أهدف إلى إقناعك بأن..." والجمل التي تتخذ شكل القوانين الموضوعية مثل "التفسيرات العلمية يمكن أن تؤكد أيضاً التفسيرات الكنسية القديمة"، وهو ما يعرض احتمال التسبب بنفور الكثيرين الذين ربما يحتاجون إلى قراءة هذا الكتاب.

إذا كانت لدى أبياه نقطة عمياء، فهي في افتراض أن الجميع يمكن أن يكونوا عالميين بارتياح مثله هو. وهو يقتبس الكاتب المسرحي الروماني، تيرينس: "أنا إنسان، ولا أعتقد أن أي شيء إنساني يمكن أن يكون غريباً بالنسبة لي". ويكتب أبياه: "الآن، هناك هوية ينبغي أن تلزمنا جميعاً". لكن هذه الرؤية تعاني من سوء التقدير نفسه الذي عانت منه رؤى أخرى، مثل تلك التي اقترحها والد باراك أوباما عندما عاد إلى كينيا وقلل من شأن قبَليتها باعتبارها ضيقة، وانتهى به المطاف إلى الفشل، وفقاً لعمة أوباما التي قالت للرئيس المستقبلي: "إذا كان كل فرد عائلة، فلا أحد يشكل عائلة". وعادة ما يحب الناس الانتماء إلى أشياء صغيرة بما يكفي ليشعروا بها.

أما فوكوياما، فأكثر تعاطفاً مع تلك الحاجة إلى "الهوية". وبالنسبة له، يشكل التأكيد على هويات محددة، والإصرار على احترام تلك الهويات، سمة مميزة لعصرنا. وهي كذلك، حسب قوله، ليس لأن الناس سيئو الإدراك أو ضيقون، وإنما بسبب مدى الإرباك والسخط اللذين يتسم بهما عصرنا.

العولمة، الإنترنت، الأتمتة، الهجرة الجماعية، صعود الهند والصين، الأزمة الاقتصادية للعام 2008، صعود النساء وحلولهن محل الرجال في الاقتصادات الأكثر اتجاهاً نحو الخدمات، حركة الحقوق المدنية وتحرير المجموعات الأخرى، وخسران البيت مكانتهم -ليست كلها سوى بعض ما عشناه في الآونة الأخيرة. نعم، لقد أصبح العالَم أفضل بالنسبة لمئات الملايين من الناس. لكن فوكوياما يذكّرنا بأن الناس في الكثير من أنحاء الغرب عانوا من الشعور بالاقتلاع والتشوش، بينما استولت النخب على الثمار.

وسط هذه التغييرات، كما يكتب فوكوياما، تقدمت سياسات الهوية إلى الواجهة، وأصبحت تشكل ثقافتنا المشتركة، ولم تعد مقصورة على منطقة حزب أو جهة. وفي السياسة الأميركية، على سبيل المثال، اعتاد اليسار أن يركز على المساواة الاقتصادية، كما يقول، واعتاد اليمين التركيز على الحكومة المحدودة. واليوم، أصبح اليسار يركز على "تعزيز مصالح طيف واسع من المجموعات التي يُنظر إليها على أنها مهمشة، في حين أن اليمين "يعيد تعريف نفسه كإطار لوطنيين يسعون إلى حماية الهوية القومية التقليدية، وهي هوية عادة ما تكون مرتبطة صراحة بالجنس، والعرق أو الدين".

يقترح فوكوياما أننا نعيش في حقبة حيث الشعور بالنبذ، وليس المصلحة المادية، هو القاطرة المحركة للشؤون الإنسانية. وفيها، يعمل حُكام روسيا وهنغاريا والصين انطلاقاً من دافع الرد على الإذلال الوطني السابق. وكان بن لادن مدفوعاً بالمعاملة التي تلقاها الفلسطينييون. وكانت حركة "أرواح السود تهم" مدفوعة بعدم الاحترام القاتل الذي مارسته الشرطة. وهناك قسم كبير من اليمين الأميركي، الذي يدَّعي كراهيته لسياسة الهوية، يتحرك بدافع تصوراته عن كونه موضوعاً للانتقاد والازدراء.

على النقيض من العديد من منتقدي سياسة الهوية، يتعاطف فوكوياما مع الخير الذي تجلبه هذه السياسة –فوق كل شيء، جعل أصحاب الامتياز مدركين لتأثيرهم على المجموعات المهمشة.  ويكتب: "عادة ما يخفق الخارجيون بالنسبة لتلك المجموعات في فهم الضرر الذي تسببه أفعالهم".

ومع ذلك، لا تخلو رؤية فوكوياما من الانتقادات أيضاً. فهو يخشى أن سياسات الهوية "أصبحت بديلاً رخيصاً للتفكير الجدي حول كيف يمكن عكس الاتجاه الذي عمره 30 عاماً في معظم الديمقراطيات الليبرالية، نحو قدر أكبر من اللامساواة الاجتماعية-الاقتصادية". ويعرب فوكوياما عن القلق من أنه كلما أصبح اليسار أكثر انشغالاً بإضافة المظالم المنهجية إلى قضايا الهوية، كلما أصبح أضعف في إنتاج النقد للرأسمالية. 

على النقيض من أبياه، لا يبدو أن فوكوياما يعتقد أن من الممكن أو المرغوب أن يرى البشر أنفسهم كبشر قبل كل شيء آخر. وهو يؤمن بالدولة القومية كوحدة صحية للشؤون البشرية، ويصرف الجزء الأخير من كتابه الذكي الهادئ في استكشاف كيف يمكن للدول أن تنمي "هويات وطنية متكاملة"، والتي تكون متجذرة في القيم الليبرالية والديمقراطية -هويات كبيرة بما يكفي لتكون شاملة، وإنما صغيرة بما يكفي لكي تعطي الناس إحساساً حقيقياً بالرقابة على مجتمعهم.

ثمة قصور بسيط في كتاب فوكوياما، وهو أنه، مثل كتاب أبياه، كتابٌ عن كتب. فمن ناحية، على المنظّرين أن ينظِّروا. ومن ناحية أخرى، في التعامل مع قضية مشحونة للغاية وعالم مليء تماماً بالغضب، استطاع كل من المؤلفَين أن يستفيد كثيراً من سيارة مستأجرة ومن تطبيق المذكرات الصوتية Voice Memos. لكن الكتابين يفتقران، مع كل نقاط قوتهما، إلى عرض أحلام ومخاوف وتعقيد الانخراط في ممارسة الحُلم.

إننا في حاجة إلى مزيد من المفكرين الذين بمثل حكمة أبياه وفوكوياما لكي يغرسوا أصابعهم في تربة المأزق الذي نعيشه. ونحن في حاجة إلى مزيد من القراء الذين يقرؤون، ويجنون ثمار ما يزرعون.

 

*مؤلف كتاب "الفائزون يأخذون كل شيء: مهزلة النخبة لتغيير العالم".

*نشرت هذه المراجعة تحت عنوان: What Is Identity?

o بطاقات الكتابين

IDENTITY

The Demand for Dignity and the Politics of Resentment

By Francis Fukuyama 

218 pp. Farrar, Straus & Giroux. $26.

THE LIES THAT BIND

Rethinking Identity: Creed, Country, Color, Class, Culture 

By Kwame Anthony Appiah 

256 pp. Liveright Publishing. $27.95.

التعليق