حنان كامل الشيخ

ما أحلى المدارس!

تم نشره في الاثنين 3 أيلول / سبتمبر 2018. 11:00 مـساءً

فقط في الأيام الأولى وبالنسبة للأهالي على وجه الخصوص، وقبل أن تنقضي فترة الشهرين الأولين التي تتكلل كالعادة بالامتحانات نصف الفصلية.
ينسى الأهالي الفرحون جدا بعودة النظام إلى حياتهم أنهم وبعد أسابيع قليلة سيبدؤون بحساب موعد عطلة نصف السنة الدراسية، حتى يتسنى لهم التنفس من الاستيقاظ المبكر، وزحمة المرور والصراخ الصباحي اليومي على أي شيء وكل شيء.
ينسون أنهم وفي غضون أيام قليلة سيتورطون بكاملهم في الإعداد للواجبات والامتحانات والمشاريع والرحلات، غير أنهم منخرطون أصلا في معمعة المصروفات واللوازم الضرورية وغير الضرورية.
فقط من أجل العودة إلى النظام الطبيعي للتفاصيل اليومية، والتخلص نهائيا من سهر الليالي وموائد إفطارات ما بعد الظهر!
لكنها الأيام تأتي دوالي لا فكاك من دورانها، على الناس صغارا أو كبارا ممن كانوا صغارا ذات يوم قريب. بعدها تصبح الخبرة كوميديا تبتسم لها الشفاه حين نتذكر هذا التعب والجهد والانفصام في المشاعر. نتذكرها حين يغدو الأطفال صبايا وشبابا في الجامعات، يضحكون من شرفات صباحاتهم المتأخرة على مشاهد الأمهات والآباء، يجرجرون أولادهم غصبا إلى حافلات المدارس أو السيارات. يتنفسون مع فنجان القهوة الذي صار بصمة خروجهم من عالم الطفولة، الصعداء لأنهم غير مضطرين للمكوث ساعات طويلة ملزمة على مقاعد الصفوف الصغيرة، وأن الدراسة قبل الامتحانات بيوم واحد يمكن أن تقضي الغرض بدون تأنيب الأهل ونكدهم الحثيث.
هؤلاء، هم أنفسهم من سيصبحون أهالي فيما بعد، يستغربون ضجر أولادهم من الأيام الأولى للمدارس، ويصورون دموعهم من خلف شبابيك الصفوف. ثم ستعلو أصواتهم مرتين في اليوم؛ صباحا حين يكتشفون أن حقيبتهم لم تحضر لجدول اليوم، ومساء حين يتذكر الصغار الواجب وهم على فراش النوم.
لكم هي مضحكة من بعيد تلك الصور لمن لا يعتقد أنه معني بها بشكل مباشر. مضحكة لأنه لو كانت هناك آلة للزمن تجتزئ من الحكايات كل الغضب والعصبية والصراخ والخوف والانفعال، لاكتشف الناس كيف أن النتائج في نهاية الأمر تقريبا هي ذاتها، لو مرت الأيام بهدوء وسلاسة.
لكنه تنظير فلسفي أعترف بذلك كوني أتفهم تماما ماذا يعني أن تكون مسؤولية التدريس بغالبيتها واقعة على الأهل، وأن نتائج الامتحانات هي فيصل الحكم على الأشخاص للأسف الشديد، في مجتمعات لا تعترف حقيقة بفوارق القدرات وعدم تكافؤ الحظوظ. نحن نكذب حين نقول إننا قد تعلمنا من الدنيا بأن المستويات التعليمية والقدرات الشخصية وتباين الذكاء هو واقع ما بين الأقران. نكذب لأننا في المحكات الحقيقية نضع أولادنا ولحد هذا اليوم، في امتحان "خيبة الأمل" ونحملهم فوق طاقاتهم الصغيرة، لإرضاء الصورة النمطية الجامدة عن النجاح.
لكن بصراحة، يفاجئ كثير من الأولاد والبنات آباءهم عندما يبدؤون في الاختيار، حتى وهم محققون أعلى درجات الرضا المجتمعي والأكاديمي المطلوب من أجل "الفشخرة" أمام الآخرين. إنهم يعرفون كيف يختارون في كثير من التجارب التي أصبحنا نسمع بها أو نراها أو حتى تلامسنا بشكل شخصي. لأنهم في بداية الأمر وليس في نهايته هم أصحاب القصة الأصليين وليس أي إنسان آخر، ولو كان من لحمه ودمه.
فيا أسر الصغيرات والصغار، اهدؤوا! ودعوا الأيام تعلمكم وتعلم أبناءكم بأن خارج تلك الأسوار الشاهقة، حياة أيضا!

التعليق