"ونريد أن نمنّ على الذين استُضعِفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين"

تم نشره في الخميس 6 أيلول / سبتمبر 2018. 11:00 مـساءً

د. محمد المجالي

جاءت هذه الآية في سياق الحديث عن بني إسرائيل في سورة القصص، فالله سبحانه يؤيد عباده المؤمنين، وتتجلى قدرته سبحانه في نصر المستضعفين حين يتوكلون على الله حق التوكل، وحين يتجردون لربهم ومبادئهم، فيؤخِّرون حظوظ النفس، ويقدمون حق الله تعالى.
كان بنو إسرائيل مستضعفين حين نكّل بهم فرعون وملؤه، بل بلغ الاستعلاء عند فرعون أنه قتل منهم العدد الكبير، خاصة الأطفال الرضّع، وذلك أن الكهّان أخبروه أن ملكه سينتهي على يد واحد منهم، فكان يقتل كل رضيع، ولذلك قص الله علينا حال أم موسى مع ولدها، فأوحى الله إليها "أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم، ولا تخافي ولا تحزني، إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين". ويستمر السياق في عرض تفاصيل القصة، وكيف التقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا، وكيف حرّم الله عليه المراضع ليكون ذلك سببا في رجوعه إلى أمه كي تقر عينها، بعد أن تتبعته أخته ودلتهم على من يرضعه.
يأبى الله تعالى -بحكمته وقدرته- إلا أن يكون هذا الغلام الذي ستكون نهاية فرعون على يديه، وقَتَل فرعون من قتل ليتفاداه، إلا أن يتربى في بيته، وفي حجره ورعايته، وهنا تتجلى قدرة الله والأمل به سبحانه: "ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض، ونُرِي فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون".
مرة أخرى، فالمستضعفون هنا هم بنو إسرائيل، والآية عامة لا يقيدها سبب النزول ولا السياق، فهي سنته تعالى في أن ينصر المستضعفين ويهزم المستكبرين، ولو بعد حين، ولكن المستضعفين نوعان؛ منهم من استُضعِف كراهة، حيث بطش الظالمين، ومنهم من يرضى لنفسه الاستضعاف والعبودية، يحنّ للعبودية ويعشقها كما يعشق الأحرار حريتهم وإرادتهم، فهؤلاء المستضعفون باختيارهم أنّى أن تنطبق عليهم سنة نصر المستضعفين، فهم مع الظالمين، وهم الذين يسّروا لهم سبل الاستكبار والظلم. هذا فرعون استخف قومه فأطاعوه، ووصفهم الله بأنهم قوم فاسقون، فالأصل في العقلاء أن يرتدوا إلى إنسانيتهم، والإنسان خُلق حرا مريدا، والأصل في المجتمع أن يحيي في النفوس هذا الحق على وجه التحديد، أنه حرٌّ مكرَّم، ولو كان الناس في كل مجتمع أحرارا لما كان الطغيان والاستكبار والاستهتار، ولكنه ذل بعض الناس الذي يثبّط قيم الإنسانية عند الآخرين، ولا يلبث أن ينتشر شيئا فشيئا، إلى أن يصبح ثقافة وأمرا عاديا، وهكذا يسقط المجتمع كله في أوحال الاستعباد والذل والاستضعاف.
شاء الله لبني إسرائيل أن يستضعفهم فرعون ومن معه، فسفك دماء الأبناء واستحى النساء، ولذلك كانت رسالة موسى وهارون عليهما السلام بعد الدعوة إلى التوحيد أن يرسل معهما بني إسرائيل، وإسرائيل هو يعقوب، وقصة يوسف عليه السلام واضحة في قدوم يعقوب وأبنائه إلى مصر حين كان يوسف عزيز مصر، فبقوا هناك وتناسلوا وكثروا، إلى أن كان عصر الفراعنة، والقرآن دقيق في وصف عصر يوسف بأنه عصر الملوك، بينما في عصر موسى فهم الفراعنة، وهي لفتة إعجازية تاريخية.
يريد الله سبحانه أن يؤكد سنة من سننه وهي نصرة المستضعفين، وهم بلا شك مؤمنون حيث اتبعوا موسى وهارون، إلا ما كان من بعضهم، فهو شأن الأمم، منهم المؤمنون ومنهم الكافرون، كما هي قصة قارون وهو من قوم موسى، كما في السورة نفسها، حين عرضت نموذجي الفساد والطغيان: في فرعون حيث فساد الحكم وطغيانه، وقارون حيث فساد المال وطغيانه. والمهم وعد الله تعالى في أن ينصر المستضعفين، يمن عليهم سبحانه بأن يجعلهم أئمة، ويجعلهم الوارثين، ويمكّن لهم في الأرض، وفي المقابل أن يُري فرعون وهامان وجنودهما ما كانوا يحذرون، حيث الهلاك.
وهذه الآية، كما قلت، ليست في بني إسرائيل وحدهم، فلفظها عام، وهذا الجعل لهم بأن يكونوا أئمة ووارثي الحكم والتمكين ليس على إطلاقه، بل في زمانهم وما داموا مؤمنين، وهناك نصوص أيضا ينبغي أن تُفهَم كذلك، كقوله تعالى: "وأني فضلتكم على العالمين"، فالمقصود في عالم زمانهم وليس مطلقا، وإلا تناقض هذا مع قوله تعالى في حق أمة محمد صلى الله عليه وسلم: "كنتم خير أمة أُخرِجت للناس". ونص آخر أستحضره، وللأسف يكرره بعض اليهود الآن وبعض من يؤيدهم، وهو قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام: "يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم"، فقد كتبها الله تعالى لهم في زمانهم، وليس مطلقا، فالأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين.
هؤلاء هم بنو إسرائيل، من الله عليهم بأن جعلهم أئمة وارثين لملك فرعون، ومكن لهم في الأرض، ونتذكر الخصلة الرئيسة، وهي أنهم كانوا مستضعفين، ويا لمكر هؤلاء القوم، كيف تنكروا لمنّة ربهم ونعمته عليهم، أن أنجاهم من فرعون، بل أهلك فرعون بآية عظيمة رأوها بأعينهم حين ضرب موسى البحر، لينجوا هم، ويهلك فرعون وجنوده، فهم مباشرة بعد هذه الآية العظيمة رأوا قوما يعكفون على أصنام لهم، فطلبوا من موسى أن يجعل لهم إلها كما لهؤلاء آلهة، وهنا أودّ لفت النظر إلى خطورة استمراء وتعوّد القوم -أي قوم- موضوع الاستضعاف والاستذلال، حتى لا يصبح سجية في النفس، وحينها يصعب نقل صاحبها إلى ميدان الحرية والإرادة والكرامة.
هؤلاء هم بنو إسرائيل اليوم، بدل أن يتذكروا ماضيهم القديم، وماضيهم المعاصر؛ حيث تشتتوا في الأرض، ونبذتهم كل الشعوب، فهم يطبّقون على أهل فلسطين ما كان منطبقا عليهم، يريدون استضعافهم وإذلالهم، فقتلوا وأبادوا وتآمروا، والعجيب أنهم في غيّهم سائرون متناسون ما كان من أمرهم، فلا بد هم مهزومون لأن سنته تعالى لن تتخلف، بالأمس نُصِروا، واليوم سيُهزمون، فهم يمثلون شخصية فرعون، وأملنا أن ينهض كل هؤلاء المستضعفين ويفهم ساستهم أن لا يذلوا ولا يخضعوا إلا لخالقهم، حتى يستحقوا نصر الله، وهم أهل لذلك إن شاء الله، أهل عزيمة وإرادة بهرت العالم كله، ولولا خذلان بني قومهم لهم، لما لبث اليهود في أرضنا كل هذا الوقت، ولكنه التمحيص والاختبار، فنصر الله لا يستحقه إلا عباده المؤمنون، فلنكن كذلك.

التعليق