يزدهر الفساد بالطبطبة ويتمأسس بالتواطؤ (1-6)

تم نشره في الخميس 6 أيلول / سبتمبر 2018. 11:08 مـساءً

الفساد قديم قدم المجتمعات البشرية، وقد تحدث عنه المصلحون والمفكرون والفلاسفة من حمورابي وارسطوطاليس... إلى غونار ميردال. لقد حرّمت شريعة حمورابي في القرن الثاني عشر قبل الميلاد الفساد حين اعتبرت المال والحبوب التي يقدمها الفرد للموظف العام رشوة تستوجب العقوبة المقررة. وقبله فعل فرعون مصر حور محب في القرن الرابع عشر قبل البلاد عندما أصدر مرسوماً ملكياً يفرض عقوبة على كل موظف وكاهن يقبل رشوة في أثناء تأديته لوظيفته. وعلى الطريق نفسه سار الملك الآشوري باني بال في القرن السابع قبل الميلاد عندما أصدر قانوناً يُحرم الرشوة إلا إذا كانت بهدف الحصول على معلومات من العدو. أما في روما القديمة فقد صدر قانون العام 159 ق.م يُحّرم على كل من يأخذ رشوة تولي الوظائف العامة أو عضوية مجلس الشيوخ طيلة حياته. كما خَوّل للقاضي حق الحكم على المرتشي بالنفي أو الإعدام" (القبس 29/3/1989) كما أدانت جميع الأديان الفساد.
منذ ثمانينيات القرن الماضي إلى اليوم، وأنا أكتب بين الحين والآخر عن الفساد. كنت أكتب عنك يا جارة، فأتحدث عن الفساد في إفريقيا، أو في أميركا، أو عنه بوجه عام، لتسمع الكنة، ولكن الكنة لم تسمع وظلت "مطنشة" كما يقولون. لقد ساعدني عملي في القطاع العام لأكثر من عقد على رؤيته وهو يعمل. لكنني كنت أراه من الخلف، فلا أستطع إثباته في محكمة لو طُلبت للشهادة ضده لأنه يتم حسب القانون، أو على الأصح: حسب ثغرات القانون، والطبطبة عليه وتواطؤ بعضهم معه.
يبدأ الفساد في القطاع العام.. من بعض الذين يستغلون سلطتهم لمنفعة خاصة من القطاع الخاص مع أنها (المنفعة) في الحقيقة أو النهاية من القطاع العام. ويبدأ بجس النبض بالإيماء أو بالاستدراج، أو الهدية، أو قبول دعوة أو سفرة ثم ينتهي بالعمولة (الرشوة) والحصة وربما المشاركة، أو الوظيفة بعد التقاعد.
وفي غمرة التنافس على البقاء والنمو والربح، يضطر القطاع الخاص إلى الدفاع عن نفسه بالفساد ليبقى وينمو ويربح، وتتفرج عليه سلطة أعلى فتطبطب عليه ثم تنغمس فيه. والطبطبة كلمة آرامية، وتعني إحداث صوت خفيف. ولأن الفساد معدٍ بطبيعته ولا يوجد من يصده أو يرده فإنه ينتشر ويتعمق بالتواطؤ معه. والتواطؤ لغةً: "الاتفاق على عمل/ مخادع مخالف للقانون أو الضمير، أو مشبوه ومريب".
وبمرور الوقت تنشأ شبكات فساد أخطبوطية (تابع قضية الدخان) تجعلك تشعر أن الفساد هو القاعدة وأن القانون أو الصلاح هو الاستثناء ومضطراً أنت (الإنسان النزيه) للمشاركة فيه، لأنك لا تستطيع أن تسير مستقيماً في طريق معوج ما لم يكن لديك بولدوزر. وهكذا يفسد صندوق التفاح رغماً عنه، بالتفاحة الفاسدة المتروكة فيه. وتصبح الواسطة والمحسوبية (والنفاق) أحد أقوى روافع الفساد أو القاعدة التي تلجأ إليها حتى وإن كنت متيقناً أن حقك مضمون لأنك تخشى أن يضيع في آخر لحظة بواسطة أكبر من واسطتك. يغطي الفاسدون فسادهم بالتدين الظاهري أو بالإحسان أو بكليهما، ويصلون بهما إلى الذرى الرسمية والاجتماعية.
وبفساد القطاعين العام والخاص يفسد المجتمع: يفسد الضمير والحياة اليومية بكل تفاصيلها ويصبح كل واحد مستعداً لغش الآخر وصيده حتى وإن كان زميله أو جاره أو أخاه، فلا يستطيع العطار إصلاح ما أفسد الدهر، فافسد تسعد، ونافق أو فارق. أما النتيجة الحتمية لذلك فتبخر الثقة أفقياً وعمودياً من المجتمع، فلا يتحقق استثمار، ولا يحدث ابتكار، ولا تتفتح الأزهار.

التعليق