تصحيح سجل الركود المزمن

تم نشره في الجمعة 7 أيلول / سبتمبر 2018. 11:00 مـساءً
  • الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما-(أرشيفية)

لورنس سامرز*

كنا في فريق أوباما الاقتصادي نعتقد أن التحفيز بقيمة 800 مليار دولار على الأقل -وربما أكثر- كان مرغوباً، بالنظر إلى جسامة الموقف الاقتصادي. وقد طلب منا أعضاء الفريق السياسي المعاون للرئيس الجديد أن نعمل على توليد أكبر قدر ممكن من الترسيخ للتحفيز الضخم لأن الأرقام الكبيرة التي تقترب من تريليون دولار كفيلة بتوليد "صدمة لصيقة" في النظام السياسي. وعلى هذا الأساس، عملنا على تشجيع مجموعة متنوعة من خبراء الاقتصاد، بما في ذلك ستيغليتز، على تقديم تقديرات أكبر لما كان مناسباً، كما أوضحت مذكرة الإحاطة التي قمت بإعدادها لصالح أوباما.

*   *   *

كمبريدج- رفض جوزيف ستيغليتز مؤخراً اعتبار الركود المزمن أمراً مهما للاقتصاد الأميركي، وفي هذه العملية هاجم عملي (بدون أن يذكر اسمي) في إدارة الرئيس بِل كلينتون وإدارة الرئيس باراك أوباما. وأنا لست مراقبا محايدا في هذا الصدد، لكن هذه ليست المرة الأولى التي أجد فيها تعليق ستيغليتز على السياسة ضعيفا على الرغم من قوة أعماله النظرية الأكاديمية.

يردد ستيغلتز آراء محافظين من أمثال جون تايلور عندما يقترح أن الركود المزمن كان بمثابة عقيدة جبرية اخترعت لتوفير المبرر للأداء الاقتصادي الهزيل خلال سنوات أوباما. وهذا غير صحيح ببساطة. ذلك أن نظرية الركود المزمن، كما قدمها ألفين هانسن، وكما عبرت عنها شخصيا، تؤكد أن الاقتصاد الخاص إذا تُرِك لآلياته الخاصة ربما لا يجد طريق العودة إلى التشغيل الكامل للعمالة في أعقاب انكماش حاد، الأمر الذي يجعل السياسة العامة ضرورة أساسية. وأظن أن هذا نفس اعتقاد ستيغليتز، مما يجعلني عاجزا عن فهم هجماته.

في كل ما أعربت عنه من آراء بشأن الركود المزمن، كنت أؤكد أن هذه الحجة ليست لصالح أي نوع من القدرية، بل كانت لصالح السياسات التي تعمل على تشجيع وتعزيز الطلب، وخاصة من خلال التوسع المالي. في عام 2012، زعمت، ومعي براد ديلونغ، أن التوسع المالي من المرجح أن يغطي تكاليفه ذاتياً. كما أبرزت الدور الذي تلعبه فجوة التفاوت متزايدة الاتساع في زيادة المدخرات والدور الذي تلعبه التغيرات البنيوية نحو تجزئة الاقتصاد في خفض الطلب.

ولكن، ماذا عن السجل السياسي؟ يدين ستيغليتز فشل إدارة أوباما في تنفيذ سياسة تحفيز مالي أكبر حجماً، ويوحي بأن هذا يعكس خللاً في الفهم الاقتصادي. وكان من الموقعين على رسالة بتاريخ 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008، والتي وقع عليها أيضاً تقدميون مشهورون مثل جيمس كيه. جالبريث، ودين بيكر، ولاري ميشيل، والتي تدعو إلى برنامج تحفيز بقيمة 300 مليار إلى 400 مليار دولار -أي أقل من نصف ما اقترحته إدارة أوباما. وعلى هذا، فإن الأمور في التوقعات المرجحة كانت أقل وضوحاً من حقيقتها بعد وقوع الأحداث.

كنا في فريق أوباما الاقتصادي نعتقد أن التحفيز بقيمة 800 مليار دولار على الأقل -وربما أكثر- كان مرغوباً، بالنظر إلى جسامة الموقف الاقتصادي. وقد طَلَب منا أعضاء الفريق السياسي المعاون للرئيس الجديد أن نعمل على توليد أكبر قدر ممكن من الترسيخ للتحفيز الضخم لأن الأرقام الكبيرة التي تقترب من تريليون دولار كفيلة بتوليد "صدمة لصيقة" في النظام السياسي. وعلى هذا الأساس، عملنا على تشجيع مجموعة متنوعة من خبراء الاقتصاد، بما في ذلك ستيغليتز، على تقديم تقديرات أكبر لما كان مناسباً، كما أوضحت مذكرة الإحاطة التي قمت بإعدادها لصالح أوباما.

على الرغم من شعبية الرئيس الجديد والمحاولات السياسية الفائقة، فإن قانون التعافي لم يقر إلا بهامش ضئيل للغاية، مع بقاء الشكوك حول إقراره بشكل نهائي حتى اللحظة الأخيرة. ولا أستطيع أن أرى الأساس الذي تقوم عليه الحجة القائلة بأن حزمة تحفيز مالية أكبر كثيراً كانت في حكم الممكن. ومن المؤكد أن محاولة البحث عن حزمة أكبر كثيراً كانت لتعني المزيد من التأخير، في وقت حيث كان الاقتصاد في طريقه إلى الانهيار -وربما كان ذلك ليؤدي إلى هزيمة التوسع المالي. وبينما كنت أتمنى لو كان المناخ السياسي مختلفاً، فإنني أعتقد أن أوباما اتخذ الخيارات الصحيحة في التعامل مع الحافز المالي. ومن المؤسف للغاية أيضاً أنه بعد صدور قانون التعافي الأولي، رفض الكونغرس دعم مجموعة متنوعة من مقترحات أوباما في ما يتصل بالبنية الأساسية والائتمان الضريبي الموجه.

في ما لا يتصل بموضوع الركود المزمن، حاول ستيغليتز النيل مني عندما قال إن أوباما لجأ إلى "نفس الأفراد الذين يتحملون المسؤولية عن نقص تنظيم الاقتصاد في أيام ما قبل الأزمة" متوقعاً منهم "إصلاح ما ساعدوا في كسره". وأنا أجد هذا ثريا بعض الشيء. فتحت رعاية المؤسسة التي كانت ترعاها الحكومة، "فاني ماي"، نشر ستيغليتز بحثاً في العام 2002، والذي زعم فيه أن احتمالات نضوب رؤوس أموال قروض الرهن العقاري كانت أقل من واحد إلى 50 ألف، وفي العام 2009، دعا ستيغليتز إلى تأميم النظام المصرفي في الولايات المتحدة. ولذلك، أتوقع من ستيغليتز أن يكون مدركاً لحقيقة أن فهم الأحداث بعد وقوعها يكون أوضح من فهمها بالتوقع والاستبصار قبل وقوعها.

وماذا عن سجل إدارة كلينتون في التنظيم المالي؟ بعد الأحداث، من الواضح أنه كان من الأفضل لو تنبأنا بالحاجة إلى تشريع مثل إصلاحات دود-فرانك للعام 2010، ولو كان لدينا وسيلة لتفعيله في ظل كونغرس يسيطر عليه الجمهوريون. ومن المؤكد أننا لم نتنبأ بالأزمة المالية التي اندلعت بعد ثماني سنوات من تركنا للمنصب. ولم نتوقع الطرق التي ستنتشر بها مقايضات العجز عن سداد الائتمان بعد العام 2000. لكننا دعونا على الرغم من ذلك إلى إصلاح المؤسسات التي ترعاها الحكومة واتخاذ التدابير الكفيلة بكبح جماح الإقراض المفترس، وهو ما كان ليفيدنا كثيراً في إحباط تراكم المخاطر قبل العام 2008.

لم أر حجة سببية مقنعة تربط بين إلغاء قانون غلاس-ستيغال والأزمة المالية. وملاحظة أن أغلب المؤسسات المتورطة -بير ستيرنز، وليمان براذرز، وفاني ماي، وفريدي ماك، وايه آي جي، ووامو، وواتشوفيا- لم يكن قانون غلاس-ستيغال يغطيها، تدعو إلى التشكيك في مدى أهميته المركزية. صحيح أن سيتي وبانك أوف أميركا كانت من المؤسسات المتورطة بكل تأكيد، لكن الأنشطة التي ولدت خسائر كبرى كانت مباحة بشكل كامل بموجب قانون غلاس-ستيغال. وفي جوانب مهمة، كان إلغاء قانون غلاس-ستيغال فعلياً هو السبب وراء تمكين حل الأزمة، من خلال السماح بدمج مؤسستي "بير ستيرنز" و"جيه بي مورغان تشيس" والسماح لبنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بفتح نافذة الخصم الخاصة لمورغان ستانلي وغولدمان عندما كانا ليتحولاً بخلاف ذلك إلى مصدر للخطر الجهازي الشامل.

كان الهجوم الرئيسي الآخر على سجل إدارة كلينتون يستهدف إزالة القيود التنظيمية المفروضة على المشتقات المالية في العام 2000. والآن بعد إدراك ما حدث، أتمنى لو أننا لم نساند ذلك التشريع. ولكن، نظراً للنهج المتطرف الذي سلكته إدارة جورج دبليو بوش في إلغاء الضوابط التنظيمية، فمن المستحيل أن نتصور اقتراح أنها كانت لتنشئ قواعد جديدة رئيسية في ما يتصل بالمشتقات المالية، ولكن لقانون العام 2000؛ ولذلك، لستُ متأكداً إلى أي مدى كانت قراراتنا مؤثرة. من المهم أيضاً أن نتذكر أننا كنا نلاحق تشريع العام 2000 -ليس لأننا كنا راغبين في إزالة القيود لمصلحته الخاصة، بل لإزالة ما اعتبره المحامون المهنيون في وزارة الخزانة الأميركية، وبنك الاحتياطي الفيدرالي، ولجنة الأوراق المالية والبورصة، خطراً جهازياً ناشئاً عن عدم اليقين القانوني المحيط بعقود المشتقات.

الأمر الأكثر أهمية من محاكمة الماضي هو إعادة النظر في المستقبل. فحتى إذا اختلفنا حول الأحكام السياسية السابقة وحول استخدام مصطلح "الركود المزمن"، فيسعدني أن يتفق مُنَظِّر بارز مثل ستيغليتز مع ما كنت أعتزم التأكيد عليه في إحياء تلك النظرية: لا يمكننا أن نعتمد على سياسات أسعار الفائدة لضمان التشغيل الكامل للعمالة. ويتعين علينا أن نفكر بجدية حول السياسات المالية والتدابير البنيوية الكفيلة بدعم الطلب الكلي المستدام الكافي.

 

*وزير الخزانة الأميركية في السنوات (1999-2001)، ومدير المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي في السنوات (2009-2010). وهو رئيس سابق لجامعة هارفارد؛ حيث يعمل حالياً أستاذاً جامعياً.

خاص بـ‘‘الغد‘‘ بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق