مسؤوليتك الاجتماعية

عازر: الاستدامة تتطلب تخطيطا للتعامل والموازنة بين المتغيرات

تم نشره في الأحد 9 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً

إبراهيم المبيضين

عمان- في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعانيها الأردنيون من شرائح مختلفة؛ خصوصا ذوي الدخل المحدود، ومع استمرار التأثيرات السلبية لظاهرتي البطالة والفقر على المجتمع، تظهر جلياً أهمية برامج المسؤولية الاجتماعية لشركات القطاع الخاص التي تنفذها منفردة أو بالشراكة مع القطاع العام، خصوصاً أن هذا المفهوم نشأ أصلا لملامسة وتغطية احتياجات المجتمعات المحلية، ومشاركة الشركات هموم الناس ومشاكلهم.
وعلى الشركات أن لا تتبنّى برامج المسؤولية الاجتماعية للمجتمع وكأنها عبء عليها، بل يجب أن تنظر إليها كواجب يمليه عليها واجبها في المساهمة في التنمية الاقتصادية وكشكل من أشكال ردّ الجميل للمجتمع الذي أسهم في تطور أعمالها وتشكيل أرباحها.
ومن جهة أخرى، يجب أن تركّز شركات القطاع الخاص بمختلف أطيافها على المبادرات والمشاريع التي تحدث تأثيراً طويل المدى في المجتمع أو حياة الفرد الاجتماعية والاقتصادية، فليس أفضل من أن تمس برامج المسؤولية الاجتماعية قضايا البطالة والفقر والمساعدة على تحويل المشاريع الريادية إلى إنتاجية، فضلا عن أهميتها في دخولها قطاعات التعليم والصحة وتوفير المسكن.
"الغد" تحاول في زاوية جديدة أن تتناول حالات لبرامج، أو تعدّ تقارير إخبارية ومقابلات تتضمّن المفاهيم الحقيقية للمسؤولية الاجتماعية لشركات من قطاعات اقتصادية مختلفة تعمل في السوق المحلية.
 قبل أكثر من أسبوع، أصدرت بورصة عمان الدليل الإرشادي حول إعداد تقارير الاستدامة باللغتين العربية والإنجليزية، متضمنا الخطوات الإرشادية للشركات المساهمة العامة المدرجة حول كيفية إعداد تقرير الاستدامة والمعلومات الواجب أن يتضمنها الدليل.
هذه الخطوة من قبل بورصة عمان تشير الى أهمية الاستدامة وأثرها في تحسين أداء الشركات، الأمر الذي يسهم بزيادة الوعي بهذا الموضوع، وبالتالي تهيئة البيئة الداخلية للشركة لتمكينها من ثم إصدار تقارير الاستدامة.
حول مفهوم "الاستدامة" وإصدار تقارير الاستدامة، وجهت "الغد" أسئلتها الى المدير التنفيذي لبورصة عمان، نادر عازر، الذي عرّف الاستدامة -بناء على التعريف الصادر من قبل اللجنة العالمية المعنية بالبيئة والتنمية- بأنها الوفاء باحتياجات الحاضر بدون المساس بقدرة الأجيال المقبلة على الوفاء باحتياجاتها.
وأوضح عازر، أن للتنمية المستدامة ثلاثة أبعاد وهي: الاستدامة البيئية التي تعني التعامل المسؤول مع البيئة لتجنب استنفاذ أو تدهور الموارد الطبيعية، والاستدامة الاقتصادية التي تعني قدرة النظام الاقتصادي على دعم الإنتاج الاقتصادي على المدى الطويل، والاستدامة الاجتماعية وتعني قدرة النظام الاجتماعي في الدولة على الحفاظ على مستوى محدد من الرفاه الاجتماعي، ولتحقيق الاستدامة يجب الموازنة بين العوامل البيئية والاقتصادية والاجتماعية بشكل متساوٍ متناغم.
وحول الخلط والتداخل بين مفهومي الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية، أوضح عازر قائلا "إنه غالبا ما يرتبط مفهوم الاستدامة مع مفهوم المسؤولية الاجتماعية للشركات (Corporate Social Responsibility CSR) والتي تشمل مبادرات تقوم بها الشركات تجاه المجتمع المحلي بشكل اختياري. وعلى الرغم من هذا الارتباط، إلا أن مفهوم المسؤولية الاجتماعية يختلف عن مفهوم الاستدامة، من جوانب عدة أهمها: الرؤية؛ حيث إن المسؤولية الاجتماعية تشمل الأمور والمبادرات التي حصلت خلال الفترة الزمنية الماضية والتي أسهمت في خدمة أو تنمية المجتمع. أما الاستدامة فإنها تتطلب تخطيطاً للمستقبل بحيث يتم التخطيط للتغيرات التي من المتوقع أن تحصل في نطاق العمل والتي تتعلق بالمتغيرات البيئية والاجتماعية والاقتصادية".
ومن حيث الأهداف، قال عازر "إن المسؤولية الاجتماعية تميل إلى استهداف صانعي الرأي في المجتمع مثل السياسيين ووسائل الإعلام، أما الاستدامة فإنها تستهدف جميع الأطراف ذات العلاقة التي تتأثر أو تؤثر في نشاطات الشركة مثل المساهمين والموردين والمجتمع المحلي والموظفين". أما من حيث الدافع، فقد أشار عازر الى أن دافع المسؤولية الاجتماعية يأتي من حاجة الشركات للحفاظ على سمعتها في السوق، أما الدافع وراء الاستدامة فهو حاجة الشركات إلى إتاحة فرص جديدة لها في المستقبل في السوق والتحكم بالمخاطر التي قد تنجم عن الأمور البيئية والاجتماعية والعمل.
وحول تقييمه لموضوع تطبيق المسؤولية الاجتماعية والاستدامة في الشركات الأردنية، قال عازر "إن القطاع الخاص أبدى منذ زمن طويل اهتماماً متزايداً بتعزيز المسؤولية الاجتماعية تجاه المجتمع المحلي وقدم العديد من البرامج الهادفة الى تنمية المجتمع المحلي".
وأوضح أن تعليمات الإفصاح الصادرة عن الهيئة ألزمت الشركات المدرجة في البورصة أن تفصح عن مسؤولية الشركة الاجتماعية تجاه المجتمع والبيئة ضمن تقريرها السنوي، كذلك فإن تعليمات الحوكمة الصادرة عن الهيئة قد ألزمت الشركات بوضع سياسة للمسؤولية الاجتماعية الخاصة بالشركة وبرامجها تجاه المجتمع المحلي.
وأكد عازر أن هنالك نماذج متميزة لشركات أردنية مدرجة في البورصة قامت بإصدار تقارير للاستدامة بشكل منفصل عن تقريرها السنوي، منها البنك العربي، الذي يصدر تقارير الاستدامة منذ العام 2009 وحتى تاريخه، بالإضافة الى كل من البنك الأهلي وبنك الإسكان اللذين قاما مؤخراً بإصدار تقرير استدامة للعام 2017.
وكنموذج لتطبيق نهج الاستدامة في الأردن، توجهت "الغد" بالسؤال الى البنك العربي الذي يرى أن تطبيق هذا النهج في الشركات والمؤسسات يعود بالنفع الداخلي عليها، بالإضافة إلى المساهمة في تحسين الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في المجتمعات التي تعمل بها.
وينصح البنك العربي بتطبيق الاستدامة للشركات من مختلف القطاعات، مؤكدا أهمية أن يتم هذا التطبيق بشكل استراتيجي، موضحا أن تطبيقها يبدأ بوجود التزام من قبل الإدارة العليا وإيماناً منها بوجوب تطبيقها بشكل شمولي في الشركة. وحول تجربة البنك وخبرته في تنفيذ نهج الاستدامة، قال "العربي" في رده على أسئلة "الغد"، إن من بين أهم العوامل، تشكيل دائرة للاستدامة بكادر مختص، يختلف حجمها بحسب حجم المؤسسة وطبيعة نشاطاتها، للعمل مع مختلف المستويات والدوائر والأقسام داخل المؤسسة لإعداد استراتيجية الاستدامة ومتابعة تطبيقها في المؤسسة بشكل منهجي.
وبين "العربي" أن هذا من أفضل الممارسات المتبعة عالميا، كما أن إعداد تقارير الاستدامة السنوية وفقا للمعايير العالمية GRI يشكل أداة مهمة في متابعة تنفيذ الاستراتيجية وركيزة أساسية لإطلاع أصحاب العلاقة من داخل المؤسسة وخارجها على أداء المؤسسة على صعيد الاستدامة البيئية والاقتصادية والاجتماعية.
وأضاف "العربي"، أنه أصدر مؤخراً تقريره الثامن للاستدامة عن العام 2017 بعنوان "الاستجابة لتحديات الاستدامة"؛ حيث جرى إعداد هذا التقرير طبقاً لأحدث معايير إعداد تقارير الاستدامة للمبادرة العالمية لإعداد التقارير (GRI) والتي تم إطلاقها في العام 2016 وتُعد أول معايير عالمية لإعداد تقارير الاستدامة وتعكس أفضل درجات الشفافية في الإفصاح عن الأداء.
ويؤكد "العربي" أن تطبيق الاستدامة من قبل الشركات الى جانب أهميته ومساهمته الفاعلة في تحقيق التنمية المجتمعية الشاملة على الصعيد الوطني، كل ذلك يحقق مجموعة من الفوائد للمؤسسات من بينها: تحسين الإنتاجية وتطوير بيئة العمل وتقليل المصاريف وتقليل المخاطر؛ حيث إن تطبيق الاستدامة في الشركات يؤدي إلى تقليل مخاطر الأعمال لديها.
على هذه الفوائد، أكد عازر وقال "إن تطبيق مبادئ الاستدامة يساعد الشركات على الوصول الى التميز من النواحي كافة، مما يساعدها على تحقيق القيمة الفضلى لشركائها ومساهميها، وللمجتمع والبيئة التي تعمل فيها. ويمنحها ميزة تنافسية على الشركات الأخرى التي تعمل في القطاع نفسه نظراً للنظرة الإيجابية التي ستتميز بها نتيجة التزامها بمبادئ الاستدامة لدى المستثمرين".
وقال "إن هذا التطبيق يرتكز على أسس التفكير المستدام والقيم الأخلاقية، ما يساعد الشركات على تصميم منتجاتها وخدماتها وتحديد أسلوب تعاملها مع الجهات ذات العلاقة وخدمة عملائها وتفاعلها مع المجتمع. وعليه، فإن تطبيق الشركات لمبادئ الاستدامة ودمجها في أعمالها هو ضرورة أساسية نظراً للفوائد التي ستعود على الشركة سواء المادية أو غير المادية، وعلى المجتمع من خلال المساهمات الإيجابية للشركة في خدمة المجتمع المحلي".
وبالنسبة لفوائد الاستدامة للمجتمع، قال عازر "إنها تعمل على تعزيز المساهمة في المجتمع، وتوفير فرص عمل، وتنمية المجتمع وتطويره".
وتطرق الى المبادئ والمبادرات التي يمكن للشركات الاستعانة بها في إعداد التقارير؛ ومنها:
1. المبادرة العالمية لإعداد التقارير (Global Reporting Initiative GRI).
2. الاتفاق العالمي للأمم المتحدة (UN Global Compact).
3. مبادرة الأمم المتحدة للاستثمار المسؤول (United Nations Principles of Responsible Investing).
4. إرشادات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الاونكتاد UNCTAD).
5. مجلس معايير الإفصاح عن المعلومات المتعلقة بالمناخ (Climate Disclosure Standard Board's CDSB).
6. مجلس معايير الاستدامة في المحاسبة (sustainability Accountant Standard Board SASB).
وتطرق عازر في الحديث الى مبادرة أسواق الأوراق المالية المستدامة (Sustainable Stock Exchange SSE) والتي أوضح أنها مبادرة أطلقتها الأمم المتحدة، يتولى تنظيمها كل من منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، والميثاق العالمي للأمم المتحدة، ومبادئ الاستثمار المسؤول التي تدعمها الأمم المتحدة، والمبادرة المالية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة.
وأوضح أن المبادرة تهدف الى تشجيع البورصات وبالتعاون مع المستثمرين ومنظمي سوق رأس المال والشركات، للاهتمام بقضايا التنمية المستدامة والتي ترتكز على الحفاظ على مستوى أداء بيئي جيد ومسؤولية اجتماعية متميزة والتزامها بمعايير حوكمة الشركات (Environmental, Social and Governance) ESG.

التعليق