كيف يفسدون؟

تم نشره في الأحد 9 أيلول / سبتمبر 2018. 11:07 مـساءً

يرى دان آريلي في كتابه عن النزاهة واللا-نزاهة "The (Honest ) Truth About Dishonesty ,2013"، أن وراء سلوك الناس قوتان متضادتان: رغبتهم في رؤية أنفسهم كناس نزيهين وشرفاء، أي لي قدرتهم على رؤية أنفسهم بالمرآة، والشعور الإيجابي نحوها، ويسمى بالدافع الإيجابي (Ego Motivation ) والاستفادة من جهة أخرى من الغش/ الفساد، والحصول على أكبر قدر من الكسب به، ويسمى بالدافع المالي (Financial Motivation) وأن إحساسنا الأخلاقي يتوقف على كمية الغش/ الفساد التي نرتاح إليها؛ أي المستوى من الغش/ الفساد الذي يسمح لنا بالمحافظة على صورتنا الذاتية كناس نزيهين وأمناء وشرفاء بصورة مقبولة. وبين هذا وذاك تقع المفاضلة أو الموازنة أو عملية التبرير أو المراوغة: هل نستطيع أن نستفيد من الغش بدون إلحاق الضرر بصورتنا الأخلاقية؟ إذا تبين لنا أننا نستطيع فإننا نغش ونفسد.
وكما ترون فإنه اللعب أو التلاعب بالحدود الأخلاقية، كما يقول أوسكار وايلد "الأخلاق كالفن تعني رسم خط في مكان ما". وكأنه يقول: الفنانون الجيدون ينسخون، أما الفنانون الكبار فيسرقون، وهكذا تصبح المهمة وكأنها تحقيق التوازن الدقيق بين الرغبات المتناقضة القائمة بين الدافعيين المذكورين سابقاً: نغش أو لا نغش. نفسد أو نفسد.
يواصل كثير من الناس الغشاشين أو الفاسدين خداع أنفسهم أنهم مواطنون صالحون للإبقاء على صورتهم الذاتية إيجابية في المجتمع أو السوق. ومن ذلك أن الذين ينجحون بالغش ويحصلون على الدرجات الجامعية به سرعان ما يخدعون أنفسهم أنهم استحقوا النجاح بمثابرتهم واجتهادهم وذكائهم، وأنه إنجازهم، وأن ثناء الناس عليهم صادق مع أنهم ليسوا سوى دجالين يكذبون على أنفسهم، وتصبح كذبتهم عليها علامة إنجاز يلتصق بحياتهم، وفي نسيج خيالهم فكأنه ميدالية.
بينت الأبحاث التي أجراها آريلي على الناس ومن مختلف الفئات والمستويات وفي كل موقف أو قضية أنه لا يوجد واحد ملاك، بمعنى أن القابلية للغش/الفساد موجودة عند مجمل الناس، وأن قابليتهم للغش تزداد كلما ازدادت الفرص المالية (لا النقدية)؛ أي أنه كلما كثرت الأوراق المالية والبطاقات الائتمانية والتحويلات البنكية تزيد فرصة الغش/الفساد وتصبح المسالة أن نغش أو لا نغش، وأن المرء ما إن يغش مرة وينجح حتى تكرّ المسبحة. كما يزداد الغش/الفساد كلما كانت القوانين أو التعليمات قابلة للتفسير، أو توجد ثغرات فيها، أو أماكن رمادية بعيدة عن الرقابة. إن الشفافية -على أهميتها- لا تكفي وحدها لمنع الغش/الفساد.
كما بينت نتائج بحوث آريلي المثيرة في الغش والفساد، أن الذكاء يساعد على الغش أو الفساد، وهو ما يوصف بالجانب المظلم للذكاء لأن أصحابه أمهر في ابتكار وسائل وأساليب الغش وإحكامها من غيرهم.
كما أثبتت بحوثه أن مسؤولاً ما في الإدارة أو الشركة يقرف العاملين فيها، يسهل على ضمائرهم اللجوء إلى الغش/الفساد وتبرير ذلك كعقاب له، أو تعويضاً لهم عن قرفهم منه. وقد يذهبون بعيداً في التبرير قائلين لأنفسهم: إننا وبكل بساطة نسترجع كرامتنا وتوازننا. إننا نريد العدالة. لعل ذلك يعني أنه عند إيذاء المرء/الموظف قد لا تبقى عنده حدود تلزمه بالمبدأ الأخلاقي.
والغش/الفساد كالوباء، فعندما ترى أحداً ما يغش وينجو فإنك تقلّده. ويبلغ الغش/الفساد ذروته عندما يخترق القضاء، أو يصبح تعاونياً داخل الإدارة أو الشركة، وبخاصة في الشركات المالية والمحاسبية ولجان المقابلة للتوظيف. فعندئذ لا يجرؤ مستثمر على الاستثمار في نظام رسمي وشعبي فاسد، ربما سوى في السوق المالي حيث يطير بالعائد إلى الخارج في اللحظة المناسبة.
ولعل نظرية الشبابيك المحطمة أو كيف تحافظ على الهدوء في المناطق الخطرة بدون زيادة عدد أفراد البوليس، مفيدة هنا. يقول صاحباها جورج كلينج وجيمس ويلسون: إنه عندما يرى الناس بناية ذات شبابيك قليلة في منطقة خطرة، لكن مهملة أو محطمة، فإنها تغريهم بتحطيم المزيد من الشبابيك، وإلحاق أضرار إضافية في البناء والمحيط (ومثله إغراء كومة الأوساخ لك بإلقاء فريد من الوسخ عليها). ويقصدان القول: إنه يجب وضع استراتيجية بسيطة للوقاية من التخريب والسرقة بحل المشكلات فوراً أي عندما تكون صغيرة أو بسيطة، فإذا صلّحت الشبابيك، أو عاقبت على أول غش فإنك تردع الآخرين عن تكراره.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »إعجاب بمثل هذه المقالات (" محمد مشهور" شمس الدين)

    الاثنين 10 أيلول / سبتمبر 2018.
    إذن.. إن "بؤرة الفساد" واضحه جدا ، وهي استغلال "مرونة النظام والقانون" لمساعدة المتنفذين لنهب الخزينه ... فالحل هنا أكيد.. ولكن " من يعلّق الجرس"..!!!!؟؟؟؟؟
  • »كيف يفسدون ؟؟؟ (يوسف صافي)

    الاثنين 10 أيلول / سبتمبر 2018.
    جميل ماطرحت استاذ حسني من مقارنات وتحليلات وهذا حال الإختلاف مابين البشر في كافة مكنوناتهم وبمختلف درجات قدراتهم العقليه ووجهة توظيفها سلبا واوإيجابا ؟؟؟ وحتى لانلج بأحكام اضطراديه الى الأسباب والمسببات التي اودت بعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان ومردودها على المجتمعات لاوبل على الإنسانيه حيث فطر خاق الكون خلقه ؟؟لابد من قراءة قوة القانون والتشريع ومصادره وهذا مايضعنا في طريق اكتشاف كيف يفسدون ؟؟؟ وبرايك الكريم أيهما من قانون ناظمه وفيصله علاقة الإنسان مع خالقه منزوع الهوى المصلحي والمادي والرغائبي عند تعامله مع الغير أم قانون دنيوي " تم صياغته وفق حسابات مادية مصلحيه رغائبيه ؟؟؟؟ "فاتقوا الله وأطيعون ولاتطيعوا امر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولايصلحون" صدق الله العظيم