برميل بارود الشرق الأوسط يسخن مرة أخرى

تم نشره في الثلاثاء 11 أيلول / سبتمبر 2018. 11:00 مـساءً
  • سوري يقود دراجته النارية في منطقة ضربتها غارة في جسر الشغور، إدلب، مؤخراً – (أرشيفية)

فرِد كابلان - (سليت) 4/9/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بعد مرور أشهر من العنف المتفرق والتوترات المتصاعدة، يبدو الشرق الأوسط على أعتاب انفجار آخر، وما مِن قوى خارجية لديها اهتمام -أو قدرة على إخماد ألسنة اللهب.
يشرع الدخان في التصاعد من ثلاث بقع ساخنة معروفة:
أولاً، هناك محافظة إدلب في شمال سورية وعلى الحدود التركية، التي تؤوي ثلاثة ملايين مدني -نصفهم لاجئون شردتهم الحرب من أجزاء أخرى من البلد- ونحو 70.000 من المتمردين المناهضين للنظام -الكثيرون منهم جهاديون. وقد تعهد الرئيس السوري بشار الأسد بالقضاء على كل القوى المناهضة للنظام باستخدام الحملات الجوية والبرية، والتي ستقتل بشكل حتمي آلاف المدنيين، وهي حقيقة لم تكن قد أقلقته في هجمات سابقة. ويقول حلفاؤه، الروس والإيرانيون، إنهم سيساعدون، وقد بدأ القصف فعلاً.
في الأثناء، نصبت تركيا أبراج مراقبة في داخل إدلب وحذرت الأسد من محاولة التوغل، وقالت إن العبور إلى إدلب سوف يكون "خطاً أحمر" -ولو أن من غير الواضح ما يعنيه ذلك بعد. وفي الوقت نفسه، أغلق الأتراك حدودهم أمام اللاجئين أو الجهاديين الذين يسعون إلى الهرب من الفوضى العنيفة الوشيكة.
تصف ديبورا آموس، الصحفية المخضرمة في شؤون الشرق الأوسط، الصدام القادم بأنه "المعركة الأخيرة والأسوأ في الحرب". وكتبت في رسالة بالبريد الإلكتروني: "تشكل إدلب الملاذ الأخير للمدنيين الذين أجبروا على الخروج من حلب ودوما والغوطة"، وإذا تحققت خطط الأسد، فإنها ستكون على الأرجح موقعاً لـ"أزمة إنسانية كارثية".
قبل أيام، غرد الرئيس ترامب:
"لا يجب على الرئيس بشار الأسد في سورية مهاجمة محافظة إدلب بتهور. سوف يرتكب الروس والإيرانيون خطأ إنسانياً خطيراً بالمشاركة في هذه المأساة الإنسانية المحتملة. يمكن أن يُقتل مئات الآلاف من الناس. لا تدعوا هذا يحدث!".
وكان ذلك خطأ غريباً حقاً. يقترح القول للأسد بأنه لا يجب أن يهاجم إدلب "بتهور" أنه ربما لا بأس في أن يهاجم المحافظة بتعقل. والخاتمة: ("لا تدعو هذا يحدث!") هي صرخة متفرج على الخطوط الجانبية، كما لو أنها ليست للولايات المتحدة أي علاقة بما سيحدث، ولا أي نفوذ سياسي أو عسكري يمكن أن يغير مسار الأحداث.
في واقع الأمر، ليس لدينا نحن الأميركيين تأثير كبير حقاً ولم يكن لدينا الكثير من التأثير سابقاً، حتى عندما طافت قطاعات كاملة من القوات المسلحة الأميركية أنحاء الشرق الأوسط، واحتشد القادة العسكريون والدبلوماسيون المخضرمون لتهدئة وردع أو نزع فتيل أعمال العدوان. وكانت جهود إدارة ترامب الأخيرة ثانوية في أحسن الأحوال. ويقول جوشوا لانديس، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما وأحد المتخصصين البارزين في الشأن السوري، في رسالة بالبريد الإلكتروني: "لقد أصدرت الولايات المتحدة تصريحات مماثلة قبل هجوم درعا -آخر محافظة سقطت قبل بضعة أشهر- لكنها لم تفعل شيئاً عندما اندفعت القوات السورية والروسية إليها".
في انفجارات العنف السابقة في المنطقة، حاولت القوى الخارجية -سواء كانت الولايات المتحدة أو روسيا أو الأمم المتحدة أو جامعة الدول العربية أو مزيج ما من الجهات الفاعلة- التدخل لإخماد العنف في بعض الأحيان. والآن، أصبح لدى هذه القوى نفوذ محدود أو دوافع مختلطة. وقد تكون تركيا موضوعاً واضحاً للضغط الدبلوماسي، إما لفتح حدودها أو الاستعداد لصد الهجوم السوري الروسي. لكن علاقاتها مع حلفاء الناتو متوترة، وشهيتها لاستقبال الاجئين تساوي صفراً، وهي تعتبر روسيا حليفاً جديداً متبرعماً. وقد يتبين أن هذه العلاقة الجديدة منتجة في التوصل إلى تسوية سلمية، لكن مصالح البلدين تبقى متناقضة في هذا الصراع، كما كتب لانديس: فروسيا تريد أن يفوز الأسد، وقد تضعه معركة إدلب على القمة. ولا تنطوي تركيا على حب للجهاديين، لكنها تريد قبل كل شيء أن تمنع مئات الآلاف من السوريين -مهما تكن انتماءاتهم أو انعدام ولاءاتهم- من التدفق عبر حدودها.
أما إذا كان سيتم حل هذه المعضلات أم لا، فإن التكهنات تبدو قاتمة.
الموضع الثاني للنزاع الذي يلوح في الأفق هو العراق -أو على نحو أدق، نفوذ إيران المتنامي في العراق وتوسعها فيه. وقد ذكرت وكالة رويترز للأنباء مؤخراً، أن إيران تقوم بإرسال الصواريخ الباليستية إلى الميليشيات الشيعية المتحالفة معها في العراق. وتتمتع هذه الصواريخ بالمدى اللازم لضرب إسرائيل، والمملكة العربية السعودية، والقوات الأميركية في المنطقة.
يمكن أن يكون الدافع هنا هو بالتحديد منع هذه الدول المذكورة من مهاجمة إيران. (إذا ضربت إيران، فإن إيران ستضربها). لكن ذلك لا يجعل الوضع أقل شحناً بالخطر. وتبقى سجلات التاريخ ملطخة بالدماء بسبب الدول التي كانت تلوِّح بأسلحة هجومية لأغراض دفاعية، ثم تعرضت للضرب أو تم جرها بطريقة أو بأخرى إلى الحرب لأن بعض الدول المعارِضة تُفسر الوضع بشكل مختلف.
لكن هناك شيئاً غريباً في هذه القصة: فحتى وقت متأخر في الأيام الماضية، كانت وكالة رويترز هي الوحيدة التي تبلغ عن وجود الصواريخ. وفي المقابل، يصر المتحدثون باسم الحكومة العراقية على أن هذه القصة "من دون أدلة"، لكنهم يحجمون عن شجبها صراحة. ولم يقل الإيرانيون من جانبهم شيئاً. ولكن، سواء كانت القصة صحيحة أم لا، فإنهم ربما يريدون أن يصدقها العالم علّ ذلك يمنحهم رادعاً مجانياً. (يجب أن يكونوا حذرين، مع ذلك: في 2002-2003، ساعد صدام حسين على نشر الأسطورة عن امتلاكه أسلحة دمار شامل، معتقداً أن ذلك سيردع الأميركيين عن الغزو، لكن الخطة أتت بنتائج عكسية، على أقل تقدير).
يقودنا هذا إلى مرجل النزاع الثالث في المنطقة: ليس من باب الإفراط التساؤل عما إذا كانت القصة صحيحة أم لا. وإذا تبين أن هذا هو واقع الحال، التكهن بأن الإسرائيليين زرعوها من أجل تقديم ذريعة لمهاجمة مواقع إيران العسكرية في العراق -التي يوجد منها الكثير، بغض النظر عما إذا كانت تحتوي على صواريخ باليستية أم لا.
أفادت وكالات أنباء عدة في الأيام الأخيرة بأن إسرائيل تستعد لشن هجمات من هذه القبيل. ولطالما كانت إسرائيل تشعر بالقلق من ظهور "هلال شيعي"، وهو عبارة عن كتلة أرضية تمتد من إيران عبر العراق إلى سورية، وربما أبعد من ذلك. وقد يعمل وجود الصواريخ الباليستية في العراق -بمدى ضرب إسرائيل والسعودية– على إذكاء تلك المخاوف.
بهذا المعنى، لا يهم ما إذا كانت القصة عن وجود الصواريخ الإيرانية في العراق صحيحة أم لا: إذا كانت صحيحة، فإنها قد تدفع إلى ضربة استباقية توجهها إسرائيل. وإذا لم تكن صحيحة، فإنها قد تساعد في إضفاء الشرعية على ضربة وقائية توجهها إسرائيل، تحسبًا لمثل هذه الضربات.
السؤال هو ما إذا كانت إسرائيل، في ضوء الوجود الأميركي في العراق، يمكن أن تذهب إلى هذا الحد من دون إذن من واشنطن. ووفقاً لشبكة (CAN) الإذاعية العامة الإسرائيلية، فإن المسؤولين الأميركيين غمروا تل أبيب بضوء تحذيري أحمر كبير، وقالوا لمسؤولي الدفاع الإسرائيليين: "اتركوا أمر العراق لنا".
ليس من الواضح من هذا التقرير ما إذا كانت إشارة التوقف التحذيرية الكبيرة هذه قد جاءت من وزارة الدفاع الأميركية، أم من وزارة الخارجية، أم البيت الأبيض -أو ما إذا كان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سيتمكن من إقناع صديقه، ترامب، بتغيير الضوء إلى الأخضر.
الكيفية التي قد يتعامل بها ترامب مع مجموعة الصراعات المتجددة التي قد تندلع في المنطقة  هي مسألة أخرى تماماً. فحتى الآن، لا توجد لدى إدارته أي سياسة تتجاوز الملاحظات الغامضة، وليست لديها أي استراتيجية -حتى بالتعريفات الفضفاضة لهذه الكلمة- ولا تكتيكات دبلوماسية في جعبتها. وإذا كانت الأزمات الماضية لتشكل سابقة، فمن غير المرجح أن يعقد مجلس الأمن القومي اجتماعاً على مستوى الوزراء لمناقشة القضايا المطروحة.
في الآونة الأخيرة، ظهرت في صحيفة "الواشنطن بوست" مقتطفات من كتاب بوب وودوارد الجديد، "الخوف: ترامب في البيت الأبيض". والاكتشافات التي يعرضها الكتاب آسرة، على الرغم من أنها لم تكن مفاجئة كثيراً: أخبر وزير الدفاع جيم ماتيس أحد أصدقائه أن فهم ترامب هو من مستوى "الصف الخامس الابتدائي أو السادس". ووصفه رئيس هيئة الأركان في البيت الأبيض جون كيلي بأنه "مشوش" و"أحمق". وقد أبعد بعض المساعدين أوراق سياسية خطيرة من على مكتبه لمنعه من التوقيع عليها. وكانت العديد من هذه الملاحظات مدفوعة بمسائل بسيطة فعلها إلى حد ما. لكن الشرق الأوسط هو نقيض البساطة. ففيه، يكاد يكون تحقيق السلام مستحيلاً (في حين اعتقد ترامب أنه سيكون سهلاً للغاية، وسلّم الملف لجاريد كوشنر).
في معظم الحالات، سيكون أفضل ما تستطيع الولايات المتحدة -أو أي قوة خارجية- فعله هو النفخ على بعض أعواد الثقاب التي تشتعل في المشهد وإطفاؤها. ويواجه، حتى الأشخاص الأذكياء حقاً والذين يعرفون ما يفعلون، صعوبة بالغة في فهم ما يجري. ولذلك، ينبغي إبقاء معتوه أبله بعقلية تلميذ في الصف السادس بعيداً. دعوه يلعب الغولف بقدر ما يريد.

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: The Middle East’s Tinderbox Is Heating Up Again

التعليق