لمن تقرع أجراس المناخ

تم نشره في الأحد 16 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً

جيه. برادفورد ديلونغ* 

 

يعتمد مليار شخص آخرين على الرياح الموسمية التي تهب كل سنة في الوقت والمكان المناسبين. ومع ارتفاع حرارة العالم ومستويات البحار، فإن نمط الأعاصير في خليج البنغال وفي الأماكن الأخرى سوف يتغير. وإذا ازدادت هذه الأعاصير قوة وبدأت تتجه شمالا نحو 250 مليون شخص يعيشون على مستوى البحر أو بالقرب منه في دلتا نهر الغانج الأكبر، فسوف يواجه العالم كوارث غير محدودة.

*   *   *

بيركلي - كان من الصعب أن أبدأ محاضرتي الأولى في فصل الخريف في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، في جو حار للغاية. كنت أرغب بشدة في خلع سترة التويد التي كنت أرتديها.

سترة التويد (المصنوعة من نسيج صوفي خشن) هي زي رائع، وإنما غريب بعض الشيء. وإذا كان كل ما لديك من المواد الخام هو جلد الأغنام، فإنه يكون أقرب ما يمكن للوصول إلى "الغورتكس" (نسيج اصطناعي مقاوم للماء والرياح). وليس قماش غوتكس مناسباً للمناخ البارد والماطر فحسب، وإنما هو دافئ للغاية -سواء كان مبللاً أو جافاً- بالمقارنة مع وزنه. وفي عالم ما قبل التدفئة المركزية، كانت الأقمشة الصوفية -المرتبطة في الأغلب بملابس الناس الرسمية وشبه الرسمية- فعالة ومريحة على حد سواء، بغض النظر عما إذا كان المرء يعيش في مدينة أوكسفورد أو كيمبريدج أو أدنبرة أو لندن أو بريستول أو نورويتش.

انتشرت سترات التويد وأنواع أخرى من الأقمشة المضادة للمياه في جميع أنحاء العالم -وهي بمثابة نعمة للبعض ونقمة للبعض الآخر، ويمكن للمرء أن يشكر (أو يلوم) الإمبراطورية البريطانية عليها. فبالنسبة لأولئك الذين يعيشون بالقرب من خط الاستواء بعيداً عن رذاذ وضباب الجزر البريطانية، تشكل مثل هذه الملابس لعنة. فبعد ظهور التدفئة المركزية، أصبحت الملابس الصوفية أقل عملية حتى في المناطق المعتدلة.

مع ذلك، ظلت سترة التويد خيارا مريحا في بعض الأماكن في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك اسكتلندا وبعض أجزاء إنجلترا (حيث اعتُبر منذ فترة طويلة من الغباء استخدام التدفئة المركزية في البيت)، وشمال شرق الولايات المتحدة، ومنطقة خليج سان فرانسيسكو. وبالتالي، فإن مناخ بيركلي هو أحد الأسباب التي جعلتني أقرر الانتقال إلى ولاية كاليفورنيا بعد ثلاث سنوات أمضيتها في واشنطن العاصمة، حيث يدرك المرء مقدار العَرق الذي يمكن لبدلة صوفية امتصاصه أثناء التنقل اليومي.

ولكن، على مدى السنوات العشرين الماضية، أصبح ارتداء الملابس الرسمية أمراً مزعجاً على نحو متزايد، حتى في الجانب الشرقي من الخليج. ويبدو المناخ الآن أشبه بمناخ سانتا باربرا، والتي تقع على مسافة 300 ميل إلى الجنوب. ولذلك، يلقي أغلب الأساتذة محاضراتهم الآن وهم يرتدون قمصاناً قصيرة الأكمام مثل التي كان يرتديها المقيمون في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا قبل نصف قرن (في أقصى الجنوب، باسادينا).

مع ذلك، بالنسبة لأولئك الذين يعيشون في الولايات المتحدة -وفي الشمال عموما- لن تشكل درجات الحرارة المرتفعة على الأرجح مشكلة كبيرة خلال القرن المقبل. وبشكل أساسي، سوف يزحف تغير المناخ شمالا حوالي ثلاثة أميال كل سنة. وهناك سيناريوهات محتملة حول الكوارث الناجمة عن اختفاء الجليد، والتصحر السريع، وما إلى ذلك. وسوف تكون هذه المشاكل غير ملائمة ومكلفة، وإنما ليست مستعصية على الحل.

على الرغم من ذلك، فإن المشاكل المرتبطة بتغير المناخ ستكون خطيرة أكثر مما نعتقد. ففي الوقت الحاضر، يعيش ملياران من مزارعي الكفاف في وديان الأنهار الستة الكبرى في آسيا، من النهر الأصفر إلى نهر الغانج الهندي. ولدى هؤلاء المزارعين وسائل محدودة وعدد قليل من المهارات غير الزراعية. ولن يكون من السهل عليهم الانتقال إلى مكان جديد، ناهيك عن القيام بأعمال مختلفة.

دعمت وديان الأنهار الستة الكبرى في آسيا معظم الحضارات الإنسانية على مدار الخمسة آلاف عام الماضية. وفي ذلك الوقت، كان ذوبان الثلوج يصل من الهضاب العالية في المنطقة في اللحظة المناسبة والكمية المناسب، لدعم المحاصيل التي يعتمد عليها سكان المنطقة.

وبالمثل، يعتمد مليار شخص آخرين على الرياح الموسمية التي تهب كل سنة في الوقت والمكان المناسبين. ومع ارتفاع حرارة العالم ومستويات البحار، فإن نمط الأعاصير في خليج البنغال وفي الأماكن الأخرى سوف يتغير. وإذا ازدادت هذه الأعاصير قوة وبدأت تتجه شمالاً نحو 250 مليون شخص يعيشون على مستوى البحر أو بالقرب منه في دلتا نهر الغانج الأكبر، فسوف يواجه العالم كوارث غير محدودة.

يبدو المجتمع الدولي غير مستعد لمواجهة مثل هذا السيناريو. وفي واقع الأمر، لم تكن الولايات المتحدة، الدولة الأكثر ثراءً في العالم، مستعدة لمواجهة إعصار كاترينا في نيو أورليانز، أو إعصار ساندي في نيويورك، أو إعصار هارفي في هيوستن، أو إعصار ماريا في بورتوريكو، والذي يقدر الآن أنه قد أودى بحياة 2.975 شخصا.      

كانت هذه الأعاصير الأربعة من بين الأعاصير الأكثر ضررا في تاريخ الولايات المتحدة في السنوات الخمس عشرة الماضية فقط. ولم تكن شدة تأثيرها مجرد نتاج لعجز إداري أو زيادة الكثافة في التنمية السكنية والتجارية الساحلية، وإنما جاءت نتيجة متوقعة لتغير المناخ. والأسوأ من ذلك، مع غياب الكوارث الطبيعية، كانت هذه أعاصير طفيفة مقارنة بما يخفيه المستقبل إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

وكما قال الشاعر جون دون في القرن السابع عشر، "ليس هناك إنسان" -أو أمة، أو منطقة، أو بلد- "مستقل كجزيرة قائمة بذاتها ... ولذلك لا ترسل أبداُ من يستعلم لمن تقرع الأجراس؛ إنها تقرع من أجلك".

 

*أستاذ علوم الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وهو باحث مشارك في المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية. كان نائب مساعد وزير الخزانة الأميركية في إدارة كلينتون، حيث شارك في إعداد الميزانية وخوض المفاوضات التجارية.

*خاص بـ الغد ، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق