سائد كراجة

ماذا يريد الشعب؟

تم نشره في الأربعاء 19 أيلول / سبتمبر 2018. 12:03 صباحاً

فرق كبير بين أن تسمع الحكومات الشعب أو تنصت له، الإنصات للشعب يقتضي أولاً احترامه وتفهم ألمه الحارق حتى لو كان غير مبرر أحياناً، الإنصات يقتضي عدم لوم الشعب على تراكم الأثر السلبي لسياسات الحكومات المتعاقبة، كما أن الإنصات يقتضي أن لا يكون ضحية الإخفاقات المتكررة هو أول من يدفع ثمن الإصلاح، الإنصات يستوجب أن تكون الحكومة بسلوكها وقراراتها تمثل التغيير الذي تطلبه من الشعب.

ما حصل في المحافظات ليس رفضاً لمشروع قانون الضريبة فقط، فأغلب المواطنين في المحافظات لا يشملهم القانون، ما حصل هو تعبير عن سخط بسبب غياب تاريخي للحكومات عن التواصل مع  المواطنين  وهو تعبير عن إحباط من فشل الحكومات في تقديم مشروع تنموي مستدام في المملكة جميعاً وفي المحافظات خصوصاً، فليس فخراً لأحد أن أغلب دخول سكان المحافظات لا تصل حد التكليف  الضريبي.

بالإنصات للشعب - وبغض النظر عن بعض السلوكيات التي لا تتناسب مع  أصول الحوار والتواصل- فإن الشعب يريد أن تتعامل الدولة مع نفسها بما يتناسب ووضع البلد الاقتصادي الصعب، أي بسلوك تقشفي حقيقي وخفض كبير للنفقات، لا يمكن للشعب أن يقف بصف أي حكومة دون أن تقوم بشد الحزام على نفسها لأقصى درجاته، قبل أن تطلب منه التضحية والمساهمة في رفع نسبة التحصيل الضريبي، وخفض النفقات يقتضي أيضاً وضع أولويات للصرف وإيقافه فيما لا يصب مباشرة في أولويات الوطن الحالية وهي مكافحة الفقر والبطالة والتأسيس للتنمية الاقتصادية المستدامة.

الشعب يريد مكافحة للفساد، ويريد أن يرى فاسدين وراء القضبان، ومع التمسك بسيادة القانون وأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، فإنني أدعو أن تكون جميع جلسات محاكمة الفاسدين علنية وتبث على التلفاز، لنعمل على فصل قضايا الفساد بصفة مستعجلة ولو تطلب الأمر مضاعفة الكوادر للمحاكم التي تنظر قضايا الفساد، أعرف أن هذا صعب؛ لكنه ممكن وضروري. باختصار نحتاج إلى قصص نجاح في مكافحة الفساد، والأهم هو تفعيل لقانون الكسب غير المشروع والتحقيق في الأصول المملوكة من قبل أي مسؤول تثار حوله الشبهات ومقارنتها مع مصادر دخله، تحتاج الحكومة إلى أن تقدم وجهاً نزيهاً للشعب، قد يقال أن أغلب الفساد انطباعي، ولكن الواقع يشير أن الثقة بالحكومات متدنية ويجب عليها العمل على تأسيس بيئة تشريعية وإدارية تضمن النزاهة في العمل العام.

الشعب يريد رؤية شمولية عامة للإصلاح؛ خطة تضع أمامه الشمعة التي هي في آخر النفق وبنفس الوقت تضعه في صورة الصعوبات التي تواجه الأردن بشفافية ونزاهة، الشعب يريد أن يعامل كشريك كامل في هذه الرحلة الشاقة لإنقاذ الوطن والحفاظ على الأمن والأمان الذي نتغنى به وبحق.

الشعب يريد إصلاحا اقتصاديا سياسيا متلازما يضمن حرية الرأي والمشاركة السياسية الفاعلة، وقد أزف الوقت لرفع كل المعيقات الخافية والظاهرة التي تحول دون تشكيل أحزاب فاعلة، لقد تم إعاقة  تشكيل  الأحزاب حتى صار كل مواطن حزبا لوحده، وصارت الحكومة مضطرة للتعامل مع هذا الطيف غير الموحد ولا المنسجم بالضرورة  من المعارضة، وهذه مهمة مستحيلة. يجب التصالح مع حقيقة أن إسكات الشعب لم يعد ممكناً، ولم يكن صحيحاً أصلاً، التعبير عن الرأي حق مقدس، وهو مقدس أكثر للصوت المعارض للحكومة، ولا معقب على ذلك إلا مخالفة القانون الذي تبت به المحاكم النظامية.

ننتظر من الحكومة وعلى نحو عاجل تقديم خطة شمولية للإصلاح الاقتصادي وتحريك عجلة الاقتصاد الإنتاجي، ننتظر منها الأخذ بالملاحظات الجوهرية على مشروع قانون الضريبة الذي يوضع في ظل ظروف تقترب من الإكراه، وأهم تلك الملاحظات أن يكون القانون ذا رؤية تشجع الاستثمار والاقتصاد لأن هذا أفضل طريق لزيادة التحصيل الضريبي، وننتظر بالتلازم الإعلان عن خطة إصلاح سياسي متكاملة تبدأ من تفعيل الأحزاب السياسية وإزالة كافة العقبات أمامها، ننتظر حواراً وطنياً حقيقياً لوضع قانون انتخاب يضمن انتخاب برلمان كفؤ وفاعل يعبر عن إرادة الشعب، وقادر على القيام بمهمتي التشريع والرقابة على الحكومة، ننتظر خطوات واضحة لإطلاق حرية الرأي والتعبير المعارض قبل المؤيد، فالمعارضة المسؤولة عمل وطني ضروري في تقدم الدول الحديثة، هذا ما يريده الشعب، فاهم علي جنابك!

التعليق