لا شريك فلسطينيا

تم نشره في الخميس 20 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً

معاريف

اودي سيغال

19/9/2018

ليس هناك الكثير من المدن الصغيرة في العالم التي اثارت هذا القدر الكبير من المشاعر كالعاصمة النرويجية أوسلو. مدينة هادئة، شاعرية، لطيفة وباردة، تختلف كثيرا عن الشرق الاوسط، ومن لبابها المتلظي الذي بين القدس وغزة. زرتها بمناسبة منح جائزة نوبل للسلام ليتسحاق رابين، شمعون بيرس وياسر عرفات. تأثرت بالحدث، ولكن الحقيقة هي اني تأثرت بقدر لا يقل بحقيقة أن اعضاء فرقة رد هوك تشيلي بابير نزلوا في الفندق نفسه والتقيت بهم في الطريق إلى وجبة الفطور.
الفرقة لا تزال تعزف، وأغانيها اصبحت ترث روك عالمي. بينما الشخصيات الذين تلقوا في حينه شرف الملوك لم يعودوا جميعهم على قيد الحياة. رابين قتل، عرفات مات في المقاطعة، وبيرس تمكن من اجتياز نحو ثلاثة عقود اخرى من النشاط الجماهيري، ولكنه لم ينجح في تحويل ذاك الحدث إلى تراث متفق عليه وواضح. مرت 25 سنة منذ التوقيع على الاتفاق في الساحة الجنوبية للبيت الابيض، وأوسلو لا يزال موضع خلاف عميق عن ماهية الفشل، شدة العمى، الثمن والثواب.
لمعظم الناس من الصعب التقاط السياقات في الالتواءات. فنحن نفضل صورة عالم واضحة: أسود أو أبيض، حرب أو سلام، نجاح أو فشل، تقسيم أو ضم. ولكن بعد 25 سنة من التوقيع على الاتفاق هناك أكثر من 50 لونا للنزاع في قصة أوسلو، ومعظمها نتاج الظروف، الاحداث التي كانت اقوى من القرارات ومبدأ واحد مركزي يقرر كل القصة: إسرائيل لم تقرر حتى اليوم ما الذي تريده حقا.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يفعل بقوة الذراع ما أراد الكثيرون من الإسرائيليين عمله للفلسطينيين منذ سنين: يجبي منهم ثمنا. فهو يفكك المسلمة التي تقول انه يمكن خوض المفاوضات من موقف ضعف واملاء الشروط. وهو يدفعهم نحو الحائط. هدف ادارة ترامب هو اجبار الفلسطينيين على العودة إلى طاولة المفاوضات بدون شروط مسبقة ومع انفتاحية لقبول صيغ اخرى باستثناء إما كل شيء او لا شيء. هذا الاسلوب الفظ والتذبذبات اللفظية لا تشهد بالضرورة على ان هذا خطأ فظ. هذه محاولة مشوقة لاستخدام القوة السياسية العنيفة للوصول إلى نتائج. ترامب يريد عقد صفقة. السؤال هو هل هذا أيضا هو ما تريده حكومة إسرائيل.
لعل موشيه كحلون يريد، يحتمل أن تساحي هنغبي قادر على الدفع إلى الأمام ببضعة سياقات مركبة، اما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أفيغدور ليبرمان، أييليت شكيد ونفتالي بينيت فيريدون شيئا آخر. يريدون تفكيك المبنى الفلسطيني القائم، اضعافه وتركه يصل إلى وضع يكون فيه ممكنا املاء الشروط عليه من طرف واحد. لا يريدون صفقة لأنهم لا يريدون شريكا حقا.
إسرائيل لم تقرر اذا كانت مستعدة حقا للتنازل عن جزء من الوطن التاريخي للشعب اليهودي كي تتحرر من المسؤولية عن ملايين الفلسطينيين ومنع خطر التدهور الذي قد يؤدي في المستقبل إلى دولة ثنائية القومية. لم تنجح إسرائيل في الوصول إلى توافق حول ذلك في اليوم السابع لحرب الايام الستة وبعد 50 سنة من ذلك لم يتخذ القرار. حكومة إسرائيل تصل إلى لحظة ذروة اخرى بلا خطة، بلا رؤيا.
الوف بن، محرر "هآرتس"، كتب قبل نحو سنة بان خطة نتنياهو هي الانتصار المطلق، سحق الحركة الوطنية الفلسطينية، حسم الصراع الوطني في ظل الغاء كل اساس للمطالبة الفلسطينية بتحقيق حقوق وطنية في بلاد إسرائيل. يحتمل أن يكون هذا هو الاتجاه. اذا كان هذا هو الهدف، فالطريق معوج، ملتو وكاذب. ووفقا لهذه النظرة، فإن نتنياهو ضلل ناخبيه، ورؤساء الولايات المتحدة وكل رؤساء الوزراء الذين التقاهم في اي مرة. وعلى الطريق هيأ امكانية الفكرة اليسارية للتقسيم ونفذها عمليا في 1996، في اتفاق الخليل، في محادثات واي، في منح دعم كاف لخطوة فك الارتباط عن غزة، التي فر منها في اللحظة الاخيرة بذريعة شبه فنية، وبعد ذلك مع ابو مازن في إدارة اوباما.
نتنياهو ربما يريد الحسم المطلق، ولكن هذه لم تكن خطة مرتبة مسبقا بل امكانية طرحت حين اتاحت الظروف فحص الفكرة. هذا مفهوم يشبه جدا الفكرة الفلسطينية: إما كل شيء أو لا شيء. ينبغي الأمل في أن تكون لرئيس الوزراء رؤيا، وذلك لانه لا يعلن عنها وحتى في الاونة الاخيرة يمتنع في الاحاديث المغلقة من وصف السياسة التي يؤمن بها. هذا بالضبط ما حصل في مسيرة أوسلو.

التعليق