التّديّن الإسرائيلي

تم نشره في الجمعة 21 أيلول / سبتمبر 2018. 11:04 مـساءً

أحيا اليهود يوم الأربعاء الماضي "يوم الغفران"، وهو يوم الصيام الأهم والملزم للمتدينين. وتمنع فيه حركة المواصلات كليا، ولا يمكن لأي محل تجاري أن يفتح أبوابه. وقد بات هذا اليوم، في السنوات الأخيرة، مؤشرا لمستوى التدين في الشارع الإسرائيلي، ولنقل مستوى التدين العنصري؛ إذ يشهد الكثير من الاعتداءات على سيارات عرب مارة، وأحيانا ليسوا عربا، بل أشخاص محتاجون لظروف طوارئ بالتنقل، إذ لا يوجد مكان في العالم، يتم فيه زج ملايين من الناس في سجن، لمدة 25 ساعة متواصلة.
ففي سنوات خلت، لم يكن هذا التشدد الذي نشهده بشكل تصاعدي في العقدين الأخيرين، على وجه التحديد؛ إذ كان من الممكن أن تشهد في مدن وبلدات يهودية، أو مدن ذات غالبية يهودية، فيها تنقلات بالسيارات، من عرب وحتى يهود. أما اليوم، فإن حركة سيارة في أي مدينة أو بلدة يهودية في مثل هذا اليوم، تُعد "مخاطرة انتحارية"، لأنك ستكون معرضا لوابل من الحجارة على السيارة، ما يعني خطر الموت المحدق.
وفي قسم كبير من هذه تتم الاعتداءات لأن المعتدين يكونون على قناعة بأن السيارة المتحركة فيها عرب. وكي نعرض الصورة بشكل أدق، ففي مدن أو أحياء للمتدينين المتزمتين، "الحريديم"، فإن هذه اعتداءات تكون أيضا في أيام السبت على مدار السنة، ولكن لا يهم هؤلاء من في داخل السيارة، عربا أو يهودا، فكلهم معرضون لاعتداءات كهذه.
وتنشغل أوساط علمانية إسرائيلية كثيرة في السنوات الأخيرة في مسألة تدين المؤسسة الحاكمة وأذرعها، وفرض أنظمة الإكراه الديني على مختلف مناحي الحياة، فإذا كنا نلمس هذا في قوانين السبت، والزواج الديني، فاليوم تمتد هذه الظاهرة إلى جيش الاحتلال، إذ تكثر الأنظمة التي فيها فصل بين الرجال والنساء، وهذا ما يناقض طبيعة المجتمع اليهودي الإسرائيلي. أو منع ظهور شابات تغنين في احتفالات للجيش. ولا تمر فترة قصيرة، إلا وسمعنا عن ضجة حول قضية من هذا النوع.
وقبيل "يوم الغفران" الأخير، ثارت ضجة حول قرار السلطة المسؤولة عن بحيرة طبرية، بإغلاق 15 شاطئا عموميا حول البحيرة، خارج نطاق المدينة، في "يوم الغفران"، وهذا إجراء يكون لأول مرة منذ 70 عاما.
والوقائع السياسية والميدانية، تؤكد أن هذا تدين ليس نابعا من ارتفاع منسوب الايمان بدينهم، فالعلمانيون ما زالوا أغلبية كبيرة، رغم أن نسبتهم تتراجع باستمرار، بل هذا التشدد الديني ملازم للتطرف السياسي العنصري والاستعلائي، إذ لا يمكن الفصل بين التدين المتطرف عن التطرف السياسي، رغم وجود علمانيين في معسكر اليمين الاستيطاني المتطرف.
المشكلة التي يراها الكثير من الإسرائيليين، ومثلهم يهود في العالم، أن هذا التطرف الديني لدى اليهود الإسرائيليين، يقود الى حالة من الاستعلائية على أبناء الديانة اليهودية في العالم. بمعنى أن إسرائيل، رسميا ودينيا، باتت في السنوات الأخيرة، تسن لنفسها أنظمة وصلاحيات تقرر ليهود العالم شؤونهم الدينية.
فمثلا، المؤسسة الدينية الإسرائيلية ترفض كليا عمليات التهويد التي تجريها منظمات يهودية إصلاحية، وهي التيار الأكبر بين جمهور المتدينين اليهود في العالم. وهذه تعد واحدة من أكثر الملفات الحارقة في العلاقة بين إسرائيل، والأميركان اليهود بالذات، الذين يشكلون التجمع الثاني في العالم لأبناء الديانة اليهودية، أقل من 5,4 مليون نسمة.
وهذه قضية ليست بمعزل عن القضية السياسية الأكبر، فاليمين الصهيوني المتطرف بات يلجأ أكثر من مظاهر التدين، كي يعزز تطرفه ضد الشعب الفلسطيني، حتى وإن جاء هذا التطرف الديني على حساب أوساط ليست قليلة من اليهود أنفسهم، طالما أن التطرف الديني سيخدم أكثر تطرفهم السياسي.
ولا ننسى في كل هذا، أن الصهيونية هي أصلا حركة نشأت بين علمانيين يهود، وتلفعت برواية دينية توراتية، من أجل تمرير مخططها الاستعماري الاقتلاعي. فإسرائيل في بداياتها، كانت نسبة المتدينين فيها هامشية جدا، إلا أن الحُكم العلماني لجأ لقوانين الإكراه الديني، في محاولة إضفاء "شرعية دينية" لوجود كيانه على أرض فلسطين.

التعليق