أيها اليساريون لا تهاجروا إلى إسرائيل

تم نشره في الاثنين 24 أيلول / سبتمبر 2018. 11:00 مـساءً

هآرتس

عميرة هاس  24/9/2018

دهشت للحظة: مقال أسرة التحرير في يوم الجمعة الماضي "خطف" العنوان الذي خططته للمقال الحالي بتغيير بسيط، أيها اليساريون لا تهاجروا، قال العنوان. في حين أنني اكتفيت بـ "لا تهاجروا". قفزة سريعة إلى نهاية مقال أسرة التحرير هدأتني. زملائي كتبوا بصورة ساخرة، في حين أنني أطلب بجدية من اليساريين أن لا يهاجروا.

وأقول لهم لا تهاجروا إلى إسرائيل ولا تستغلوا المزايا الممنوحة لكم والتي تمكنكم من التجند خلال يوم، وبهذا تنضمون إلى شعب الاسياد. حتى لو قمتم بالانضمام في اليوم التالي لهجرتكم إلى نشاطات يسارية مكثفة، فإنكم لن تستطيعوا أن توازنوا بواسطتها التعاون مع نظام السلب والطرد الذي يكتنف خطوتكم.

لدي تعاطف كبير مع الشباب اليهود الذين يعيشون في الشتات والذين يشاركون في نشاطات سياسية وجماهيرية ضد سياسة الاحتلال التي تتبعها إسرائيل ومظاهر الابرتهايد. الكثيرون منهم يزورون البلاد (إسرائيل وعدد من مناطق الضفة الغربية) من اجل أن يروا بأم أعينهم كيف تبدو الكولونيالية الاستيطانية وهي تعمل، وبعد ذلك يعودون إلى دولهم ويبلغون عن ذلك، ويحتجون ويواصلون نشاطاتهم.

أنا احترم أيضا العلاقة التي يطورونها مع هويتهم اليهودية: الرغبة في التعرف على التاريخ الفريد لعائلاتهم وجالياتهم؛ تفاخرهم بالقيم العالمية، الانسانية، التي لا يجدون صعوبة في العثور عليها لدى كتاب يهود؛ والتعود على انتقاد القسوة وعلى طرح – أيضا بهذه الطريقة يمكن التعلم من التراث اليهودي والتاريخي؛ اهتمامهم يوجهونه للتيارات المخفية والظاهرة لآراء عنصرية تجاه اليهود في الدول التي يعيشون فيها.

على مر السنين التقيت مع عدد من هذه المجموعات في البلاد وفي الخارج. في إحدى الدول اللقاءات كانت تقريبا سرية: الشباب، اعضاء في حركة شبيبة صهيونية، خافوا من أن لقاء علنيا سيدفعهم أكثر إلى هامش الجالية اليهودية. ليس لدي الادوات كي أقول إذا بالغوا أم لا، لكن خوفهم كان يكفي من اجل أن أفهم إلى أي درجة هم يعملون تحت ضغط بأن لا ينحرفوا عن الخط الرسمي، المؤيد للاحتلال. في دولة اخرى كان منظمو اللقاء بالغين، لكنه عقد في بيت خاص (بعد لقاء تمهيدي، فحصوا فيه إذا كان لدي قرون). اذا فهمت الامر بشكل صحيح، فإن المنظمين قدروا بأن حدثا علنيا معا كان سيكشفهم وربما أيضا يكشف المشاركين فيه على نقاشات مرهقة وزائدة مع اعضاء مؤسسات الجالية الرسمية.

الشباب اليهود الذين التقيت معهم في البلاد، عادوا بشكل عام من جولات في أماكن السيطرة العسكرية الإسرائيلية على الفلسطينيين. في أسبوع – أسبوعين تعلموا معرفة الوضع أفضل بكثير من الكثير من الإسرائيليين في جيلهم، والذين يعرفونه من خدمتهم العسكرية ومن التقارير الناقصة في الإعلام الإسرائيلي. النشطاء يزورون دائما البلدة القديمة في الخليل – لأن الكلمات لا تكفي لوصف الرعب هناك – ويصابون بالصدمة.

كل ما اعتقدوا أنهم يعرفونه عن اليهودية واليهود يتفجر هناك إلى شظايا. الخليل تضم داخلها مثل قشرة الجوز، كل الصفات للمنكلين الساديين التي حصلنا عليها كحكام غرباء، وهذيانات الطرد التي يتم تطويرها في الاقبية، وليس فيها فقط.

دائما في كل لقاءاتي مع هؤلاء الشباب المتحمسين طلبت منهم عدم الهجرة إلى إسرائيل. ولسعادتي، بشكل عام طمأنوني وقالوا إنهم لا ينوون ذلك. ولكن دائما يوجد من لا يصمدون أمام الاغراء، ويقتنعون بأنهم يستطيعون التأثير للافضل والاسهام في النضال. لهؤلاء أقول: أنتم مخطئون. من المياه التي تشربونها ومرورا بشاطئ البحر الذي تستجمون عليه، والكهرباء التي تضيء في مدرستكم، والمشاركة في حفلات البلوغ للأخ وإبن العم في الخارج وحتى دعم الشقة التي ستحصلون عليها في القدس أو في رعنانا: أنتم تختارون أن تكونوا متفوقين، وهذا اختيار غير اخلاقي بشكل واضح.

في مرات كثيرة قال لي فلسطينيون بغضب واستفزاز: إذا كنت يسارية تعارضون الاحتلال فلماذا لا تغادرين البلاد. احيانا ناقشتهم وأحيانا لم يكن لدي مبرر، لكن خلافا لليهود اليساريين الذين لا يلزمهم شيء للهجرة إلى إسرائيل، نحن ولدنا هنا. ليس لدينا خيار. ليست لدينا لغة وبلاد اخرى، حتى ليس في برلين. بالمناسبة، حتى الهجرة إلى الخارج هي استغلال لمزايانا كمن ننتمي لنوع عالمي من النخبة البيضاء: من السهل على الإسرائيليين – اليهود الهجرة إلى أوروبا والولايات المتحدة وإلى دول كولونيالية سابقة، والقبول فيها أكثر من الفلسطينيين الذين قطعت إسرائيل امامهم كل الالفاظ المادية والنفسية داخل وطنهم.

إسرائيل اجتازت الخطوط لاحتمالية الإصلاح من الداخل. إذا هاجرتم اليها فإنكم تساهمون في وهم التطبيع الذي تريد بثه نحو الداخل ونحو الخارج. مكانكم، أيها اليهود اليساريون، في جالياتكم في الخارج. هناك تستطيعون التأثير، وهناك عليكم التوضيح بأن إسرائيل هي دولة لن تتنازل عن المشروع الكولونيالي وأنها تنكل بالفلسطينيين (مواطنون ورعايا) وتعرض حياتهم للخطر. هناك تستطيعون الانذار بأن إسرائيل دولة خطيرة، وأن تجدوا من يصغون. إذا هاجرتم إلى إسرائيل فانكم ستطبعون الطرد والخطر.

التعليق