حل أحجية الأخبار المضلِّلة

تم نشره في الجمعة 28 أيلول / سبتمبر 2018. 11:00 مـساءً

كيلي بورن*

مينلو بارك، كاليفورنيا - بعد قيام الانتخابات الرئاسية الأميركية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2016 بتسليط الضوء على ضعف القنوات الرقمية لموردي "الأخبار المزيفة"، زادت حدة النقاش حول كيفية مواجهة التضليل الإعلامي. وقد قطعنا شوطاً طويلاً في الفترة الماضية منذ حضور المسؤولين التنفيذيين لشركات "فيسبوك" و"غوغل" و"تويتر" أمام الكونغرس للإجابة عن الأسئلة حول كيفية استغلال المصادر الروسية لمنصاتها للتأثير على الانتخابات. ولكن من خلال البحث عن حلول، أصبح من الواضح أنه لا يوجد حل مباشر ينهي المشكلة تماماً.

بدلاً من البحث عن حل شامل، نحتاج إلى اتخاذ الخطوات اللازمة لمعالجة المشكلة من زوايا متعددة. ويشبه النظام الإيكولوجي للمعلومات الحديثة مكعب روبيك؛ حيث يتطلب الأمر حركة مختلفة من أجل "حل" كل مربع على حدة. وعندما يتعلق الأمر بالتضليل الرقمي، يجب النظر في أربعة أبعاد على الأقل.

أولاً، من الذي يشارك في نشر المعلومات المضللة؟

يمكن التعامل مع الأخبار المزيفة التي يتم نشرها من قبل جهات أجنبية بشكل مختلف تماماً -من الناحية القانونية والمعيارية- عن المعلومات المضللة التي ينشرها المواطنون، خاصة في الولايات المتحدة، وذلك من خلال توفيرها الحماية في مجال حرية التعبير والقوانين الصارمة نسبيًا بشأن التدخل الأجنبي.

في الولايات المتحدة، يمكن معالجة حالات أقل تطوراً من التدخل الأجنبي بمزيج من تقنيات معالجة اللغة الطبيعية وتحديد المواقع الجغرافية لمعرفة الجهات الفاعلة التي تعمل من خارج البلاد. وفي حال فشل التغييرات على مستوى النظام الأساسي، يمكن استخدام تدخلات حكومية أوسع، مثل العقوبات العامة.

ثانياً، لماذا يتم تقاسم المعلومات المضللة؟

تختلف "المعلومات الخاطئة" -وهي معلومات غير دقيقة تنتشر عن غير قصد- تماماً عن المعلومات المضللة أو الدعاية التي يتم نشرها عن عمد. ويمكن منع الجهات الفاعلة ذات النية الحسنة من تبادل المعلومات الخاطئة عن غير قصد، جزئياً على الأقل، من خلال حملات محو الأمية الإخبارية أو مبادرات التحقق من الحقائق. لكن إيقاف الجهات الفاعلة سيئة النية عن تقاسم هذه المعلومات عن عمد هو شأن أكثر تعقيداً، ويعتمد على أهدافها المحددة.

على سبيل المثال، بالنسبة لأولئك الذين يسعون وراء الربح -مثل المراهقين المقدونيين الذين يستغلون سذاجة الأميركيين لجني آلاف الدولارات شهرياً عن طريق إنشاء مواقع تنشر الأخبار الكاذبة- قد تساعد السياسات الإعلانية الجديدة التي تعطل نماذج الإيرادات في حل المشكلة. لكن مثل هذه السياسات لن توقف أولئك الذين يتشاركون المعلومات المضللة لأسباب سياسية أو اجتماعية. وإذا كانت هذه الجهات الفاعلة تعمل كجزء من شبكات منظمة، سينبغي تعطيل الشبكة بالكامل لكي تكون فعالة.

ثالثاً، كيف يتم تشارك المعلومات المضللة؟

إذا كانت الجهات الفاعلة تشارك المحتوى عبر شبكات التواصل الاجتماعي، فإن التغييرات التي تطرأ على سياسات المنصات أو اللوائح الحكومية قد تكون كافية. لكن هذه التغييرات يجب أن تكون محددة.

على سبيل المثال، لمنع استخدام البرامج الآلية من تضخيم المحتوى بشكل مصطنع، قد تتطلب المنصات أن يكشف المستخدمون عن هوياتهم الحقيقية (على الرغم من أن ذلك قد يسبب مشكلة في الأنظمة الاستبدادية، حيث يشكل إخفاء الهوية حمايةً لدعاة الديمقراطية). وللحد من الاستقطاب الدقيق المتطور -استخدام البيانات الاستهلاكية والديموغرافية للتنبؤ بمصالح الفرد وسلوكه، من أجل التحكم في أفكاره وتصرفاته- قد يتعين على الأنظمة الأساسية تغيير سياسات مشاركة البيانات وسياسات الخصوصية، بالإضافة إلى تطبيق قواعد إعلانية جديدة. وعلى سبيل المثال، بدلاً من إعطاء المعلنين فرصة الوصول إلى 2300 من "كارهي اليهود" مقابل 30 دولارا أميركيا فقط، ينبغي للمنصات الآن الإفصاح عن أهداف الإعلانات السياسية وحظر معايير استهداف معينة أو تحديد مدى صغر المجموعة المستهدفة.

يبدو هذا نوعاً من سباق التسلح. سوف يجد المستخدمون السيئون بسرعة طرقاً لتجاوز أي تغييرات تطرحها الأنظمة الأساسية الرقمية. وستكون هناك حاجة مستمرة إلى ابتكار تقنيات جديدة -مثل استخدام تقنية "بلوك تشين" للمساعدة في توثيق الصور الأصلية. ولكن، ما من شك في أن المنصات الرقمية مجهزة بشكل أفضل لتعديل سياساتها بشكل منتظم مقارنة بالهيئات التنظيمية الحكومية.

مع ذلك، لا تستطيع المنصات الرقمية التعامل مع المعلومات المضللة وحدها، لأن بعض شبكات التواصل الاجتماعي، حسب بعض التقديرات، لا تمثل سوى حوالي 40 % من إمكانية المرور إلى أكثر مواقع "الأخبار الوهمية" فظاعة، بينما تتمكن 60 % أخرى من الوصول "بشكل طبيعي" أو عبر "شبكات التواصل الاجتماعي" (مثل الرسائل أو رسائل البريد الإلكتروني بين الأصدقاء). ومن الأصعب بكثير إدارة هذه المسارات.

البعد النهائي -وربما الأكثر أهمية- من لغز التضليل الإعلامي هو: ما المعلومات التي يتم تقاسمها؟ يميل الخبراء إلى التركيز على المحتوى "المزيف" بالكامل، والذي يسهل تحديده. لكن المنصات الرقمية لديها حوافز لكبح مثل هذا المحتوى، ببساطة لأن الناس بشكل عام لا يريدون أن يبدون مثل الحمقى من خلال تقاسم القصص الكاذبة.

غير أن الناس يحبون قراءة وتبادل المعلومات التي تتفق مع وجهات نظرهم؛ ويحبونها أكثر إذا كانت تثير مشاعر قوية -وخاصة الغضب. وبالنظر إلى أن المستخدمين ينخرطون بشدة في هذا النوع من المحتوى، فقد يصبح لدى المنصات الرقمية حافز لعرضها.

هذا المحتوى لا يشكل مجرد استقطاب؛ فهو غالباً ما يكون مضللاً ومثيراً، ويمكن أن يقوض الخطاب الديمقراطي البناء. ولكن، أين هو الخط الفاصل بين الخلاف الخطير القائم على التحريف والنقاش السياسي الفعال المدفوع بالآراء الدولية المتعارضة؟ ومن الذي سيرسمه؟

حتى إذا أمكنت الإجابة على هذه الأسئلة الأخلاقية، فإن تحديد المحتوى الإشكالي على نطاق واسع يواجه تحديات عملية خطيرة. ولا تتعلق العديد من أكثر الأمثلة المضللة عن المعلومات المضللة بانتخابات أو مرشحين محددين، بل بالخلافات الاجتماعية القائمة، على سبيل المثال، فيما يتعلق بالقضايا العرقية. وغالباً ما يتم نشر هذه الرسائل من دون شراء الإعلانات. ونتيجة لذلك، لا يمكن تنظيمها بموجب القواعد الجديدة للإعلان الانتخابي، على سبيل المثال، "قانون الإعلان العادل"، الذي كان مدعوماً من قبل شركتي "فيسبوك" و"تويتر".

إذا كانت الحلول لمكافحة التضليل غير واضحة في الولايات المتحدة، فإن الوضع أكثر تعقيداً في السياق الدولي، حيث تكون المشكلة لامركزية ومبهمة بشكل متزايد -وهو سبب آخر لعدم وجود أي حل شامل.

ولكن، في حين أن كل مبادرة لا تستطيع حل سوى عدد قليل من المشاكل -قد تحل السياسات الإعلانية المتقدمة نسبة 5 % من المشكلة، وقد تؤدي التدابير المتعلقة بالاستهداف الدقيق بحل نسبة 20 %- معا، يمكنها إحراز التقدم. وستكون النتيجة النهائية بيئة معلوماتية، على الرغم من أنها غير مثالية، إلا أنها تتضمن فقط كمية صغيرة نسبياً من المحتوى الإشكالي -وهو أمر حتمي في المجتمعات الديمقراطية التي تقدر حرية التعبير.

الخبر السار هو أن الخبراء سيتاح لهم الآن الوصول إلى البيانات الخصوصية المحمية من الفيسبوك لمساعدتهم على فهم وتحسين تأثير المنصة على الانتخابات والديمقراطيات حول العالم. ويأمل المرء أن تتبع المنصات الرقمية الأخرى -مثل غوغل و تويتر وريديت وتامبلر- الأسلوب نفسه. ومن خلال الأفكار السليمة والالتزام بالتغيير الأساسي التدريجي، يمكن جعل التأثير الاجتماعي والسياسي للمنصات الرقمية آمناً -أو على الأقل أكثر أماناً- للديمقراطيات الحالية المحاصرة.

 

*مسؤولة البرامج لمبادرة ماديسون في مؤسسة وليام وفلورا هيوليت.

*خاص بـ‘‘الغد‘‘، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق