السحر والدين

تم نشره في الجمعة 5 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 12:00 صباحاً

د. هاشم غرايبة

منذ القدم اختلط مفهوم العرافة والكهانة والشعوذة والسحر، بسبب أنها جميعا متعلقة بقدرات ومعارف غامضة على العامة ولا تتحقق إلا لفئة محدودة.
مع تطور فهم البشر بفضل الدين، انقرضت أو كادت كل تلك المعتقدات، فيما بقي اعتقاد كثيرين بالسحر كحقيقة، ورغم تبيان القرآن أنه مجرد خداع وكيد، إلا أن كثيرا من المؤمنين يعتقدون بأنه موجود وتأثيره حقيقي.
السحر لغة هو صرف الشيء عن حقيقته الى غيره، علميا هو فعل إيهامي لا يغير من الحقيقة المادية بل يظهرها بغير ما هي عليه، ولا يوجد حالة واحدة أزال السحر شيئا من الوجود، أو أوجد ما كان غير موجود، أو تم تغيير طبيعة الشيء.
لذلك فالسحر هو مهارات في الخداع البصري، وهو حاليا علم يدرس في الغرب، وأساسه يرتكز الى تنمية قدرات الساحر على التلاعب بانتباه المشاهدين بتشتيته عن أفعال بحيث لا يرونها، وتركيزه على أفعال أخرى تبدو وكأنها خارقة للنواميس الطبيعية.
هذا النوع لا يشغل اهتمام الناس فهو للتسلية، ما يهمهم هو ذلك الذي يستخدم للإضرار والأذى، وهذا هو الذي اهتم الدين بمنعه، والذي يأتي على عدة وجوه: 
1 – العرافة: وهو الإدعاء بمعرفة الغيب بالتواصل مع الأرواح أو الجن، والتعامل مع هؤلاء الدجالين محرم شرعا، فلا يعلم الغيب إلا الله: " من أتى عرافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة" (صحيح مسلم).
2 - العلاج والاستشفاء: وهو أسلوب احتيالي لجمع المال من المصابين بأمراض عضال، بادعاء أن المسبب للمرض هو الشياطين أو الجن أو الأرواح الشريرة، وأنه قادر على طردهم، وتصديق هؤلاء مناقض للإيمان بأن كل شيء من الله، إنما يجريه الله وفقا لسننه، فالمرض يصيب به المريض وفقا لها (العوامل المسببة للمرض)، والشفاء وفقا لها أيضا(المداواة الإستطبابية والمعالجة الجراحية)، ولا ينجي ذلك الدجال من الوقوع في الشرك (لأنه أشرك الجن والشياطين في القيام بأفعال الله)، لا ينجيه أن يدخل في تمائمه وتعاويذه آيات من القرآن الكريم.    
 3 – السحر الأكثر شهرة واستحواذا على الاهتمام هو ذلك الذي يظن البعض أنه يضر وينفع، وهذا ما سنبحثه تاليا.
بما أن الثابت أن السحر ليس له تأثير مادي فعلي، فتأثيره يقتصر على حاسة البصر، وليس على أية حاسة أخرى، لذا فالتأثير نفسي، أي أن الصورة المرئية في الدماغ توحي للعقل بوجود الشيء وكأنه حقيقة.
لذلك فمفعول السحر إيحائي، من هنا جاءت المقولة القديمة: "السحر لا يؤثر إلا فيمن يؤمن به" ، وهذا يفسر المفعول الضار أو النافع للسحر، فمن لا يؤمن به لا يدخله عقله، فلا يؤثر به.
الملاحظة المهمة، أن ذكر السحر في القرآن لم يرد إلا من باب الذم، وليس بتصديق مفعوله، بل بيّن أنه خداع بصري في قوله تعالى"فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ "[الأعراف:116] ، وقال مطمئنا نبيه موسى الى أن منتج السحر إيهامي وليس حقيقياً: " إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى"[طه:69].
لكن الأمر يلتبس على البعض عندما يقرأون الآية 102 من سورة البقرة: " وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ .."، إذ يعتقدون أن السحر أمر واقع ومصدره الشيطان، لكن التفسير الصحيح للآية يبين أن (واتبعوا)معطوفة على ماقبلها: (فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)، وأما الشياطين فليس شرطا أنهم شياطين الجن، بل الإنس، أي الذين يضلونهم، بدليل قوله تعالى: "وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ".
أما ما أنزل على الملكين ببابل فليس السحر، بدلالة (وما) التي تعني أمراً آخر يختلف، لكنه علم لم يخبرنا به الله.
نستخلص من كل ما سبق أنه ليس هنالك نص قرآني يؤيد أن السحر يحدث تغييرا ماديا، بل إيهامي، لذلك فضرره على الإنسان مدخله نفسي، والذي قد يؤدي الى اعتلال جسدي موهوم. 
يخطئ كثير من المؤمنين عندما يظنون أن تصديق السحرة وأفعالهم  لا ينقض إيمانهم، بل يعتقدون أن ذكره في القرآن دليل على وجوده، القرآن الكريم يخاطب البشر بمفاهيمهم وبحدود معارفهم، ولا يعني ذلك إقرارا بصحتها ، فمثلا يقول على فهم ذي القرنين عن الشمس: " وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ" فهل الشمس حقيقة هي كذلك ..؟ هي في فهمه واعتقاده كذلك، لم ينقض القرآن فهمه الخاطئ لأن الموضوع لم يكن شرحا لحقائق الأفلاك، بل تبيانا لقصة سألتها قريش النبي صلى الله عليه وسلم لامتحان صدق نبوته، ولو ذكر لهم أن الآرض هي التي تدور حول الشمس لحدث تكذيب وانفض الناس عن الدين، فأدّت المعلومة عكس المبتغى منها.
لقد تبين لنا أنه عندما كان القول لله، كان يبين أن السحر هو فعل إيهامي وتلاعب بالعقول، ولا يمكن أن يؤيد معرفة أحد بالغيب، ولا تغيير سنة سنها الله ولا تنفيذ فعل لا يريده ، فهل يبقى بعد ذلك شك ؟.
كل الذي يسمى سحرا (العمل) هو خداع للبسطاء لابتزازهم، وكل (شيخ) يدعي أنه يفك السحر فهو دجال، وكل ضرر أصيب به شخص كان بإذن الله وعن طريق سننه، ولا يملك إنسٌ أو جانٌّ أن ينفع أو يضر بشرا.
إن قوله تعالى: " فَيَتَعَلَّمُون َمِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ" تعني أنهم يسخرون ما تعلموه للإيقاع بين الناس، وهذا عمل إيهامي نفسي وليس ضررا ماديا كالعمى أو الخرس، لذا يتناول العلاقة الحميمة بين الناس وأهمها تلك التي بين الزوجين، لأن فقدانها يخرب البيوت.
رغم أن حربهم نفسية فهل تتحقق نواياهم وينجحوا بذلك؟ الجواب هو في تكملة الآية "وما هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ " أي أنه لا قدرة لهم على الفعل بالمطلق، وبذلك فالسحر ليس له أي تأثير في مجرى حياة الناس ، وما يقع من ضرر ليس بفعل السحر بل بإرادة الله وتقديره، وبالطبع لا يمكن لإرادة الله أن تتبع إرادتهم، وعليه وبما أن السحر لا يستعمل إلا لإيقاع الأذى " وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ" لذلك ذكره الله تعالى من جملة الأمور المذمومة ونهى الناس عن إتيان هؤلاء الدجالين، لان من يؤمن بمقدرتهم يُخشى على إيمانه.

التعليق