ذوو إعاقة.. استقواء يضاعف من أوجاعهم ويعزلهم عن المجتمع!

تم نشره في الأحد 7 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً

ربى الرياحي

عمان- يبدو أن ظاهرة التنمر وصلت كذلك لأطفال ومراهقين من ذوي الإعاقة في الوقت الذي لم تشفع لهم أوجاعهم ولا آلامهم النفسية، فتواجهوا وجها لوجه مع من يفتقدون للإنسانية.

هؤلاء الضحايا يفتقدون الثقة لا يقوون على حماية أنفسهم من ذلك التنمر الواقع عليهم، بل يستسلمون للعزلة التي تفرض عليهم ممن يسعوون لجذب الانتباه وإثبات القوة في الوقت الذي تغيب فيه العقوبات والقوانين الصارمة التي من شأنها أن تضع حدا لتلك الأفعال العدوانية. ولم تسلم الطالبة الكفيفة إيمان خالد من سخرية وتهكم وألفاظ مؤذية تتعرض لها من قبل مجموعة من الطالبات معها بالصف، والسبب وراء ذلك هو تفوقها دراسيا وقربها من المعلمات.

هي تتمتع بشخصية هادئة مسالمة تخشى من المواجهة وتحاول جاهدة عدم الاحتكاك بتلك المجموعة المتسلطة العدوانية التي تتعمد دائما إقصاءها هي تحديدا عن نشاطاتهن.

الغيرة من تميزها وإحساسهن المستمر بأنها ضعيفة لا تقوى على الوقوف في وجههن، يدفعان أولئك الطالبات إلى التمادي في إيذائها نفسيا بشكل متكرر وطول الوقت، فتشعرهن تلك التصرفات بالقوة وبضرورة لفت الانتباه إليهن وغالبا ما يلجأن إلى إكراهها على حل الواجبات لهن وتغشيشهن بالامتحانات.

ولا يكتفين عند هذا الحد فحسب، بل بإيذائها ماديا أيضا، من خلال الاستيلاء على مصروفها الشخصي. هذه المضايقات الكثيرة تخنق إيمان وتوجعها، وتؤثر على تحصيلها الدراسي الذي بدأ يتراجع بشكل واضح.

ويفتقد الطالب عمر محمود القدرة على المشي، فهو أيضا ضحية التنمر المدرسي لكونه طالبا جديدا. إساءات كثيرة ومتعددة تعرض لها، لا سيما الإساءة الجسدية، وذلك من قبل طالب كان يتعمد إطلاق الإشاعات المسيئة ضده والمتمثلة في اتهامه بالسرقة. لم يتردد أبدا في تشويه صورته وإقناع بقية طلاب الصف بتلك الإشاعة المغرضة، الأمر الذي أثر على نفسية عمر وجعله يكره الذهاب إلى المدرسة هربا من نظرات الطلبة.

ليس ذلك فقط، إنما تعليقات مهينة كان يطلقها ضد عمر منتقدا ملابسه البسيطة جدا بحكم وضعه الاجتماعي الذي لا يتناسب نهائيا ووضعه، محاولا بشتى الطرق استفزازه والدخول معه بمشاحنات بدون أي سبب مباشر.

وترى الاستشارية التربوية في علاج مشاكل الأطفال سهام حسين، أن التنمر هو سيطرة فرد أو مجموعة من الأفراد على فرد آخر بهدف فرض السلطة، ويتم ذلك بشكل متكرر، الأمر الذي يؤدي إلى عزل الضحية عن المجتمع والافتقاد للأمان. وتضيف "أن التنمر المدرسي يشمل كذلك فئة ذوي الإعاقة التي تتأثر كثيرا بتلك السلوكيات العدوانية التي تمارس ضدها، وتضاعف من مشكلاتها النفسية والدراسية. لكن تعرضهم المستمر للاعتداء سواء المعنوي أو الجسدي، يمنعهم بالتأكيد من أن يتخطوا أعباء الحياة ويندمجوا فيها".

وتكمل حسين أن هذه الظاهرة تمارس ضد الأطفال الخجولين والمنعزلين اجتماعيا أو أولئك الذين يعانون من ضعف البنية، مبينة أن الأعراض التي تظهر على الضحية نتيجة التنمر هي فقدان الثقة بالنفس والميل للعزلة وعدم الرغبة في الذهاب إلى المدرسة، وصعوبة التركيز أثناء الدراسة والقلق المستمر والاكتئاب، وربما أيضا فقدان القدرة على النوم، مما يؤدي إلى حدوث اضطرابات لا يمكن السيطرة عليها.

وتشير حسين إلى أن هناك أسبابا متعددة تقود إلى التنمر أهمها؛ التربية الخاطئة للأبناء والتراخي في العقاب وغياب القدوة.

أما عن العلاج، فتبين حسين أن المسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة للحد من هذه الظاهرة بمساعدة الطرفين، الضحية بتشجيعها على تفريغ انفعالاتها وتقديم الدعم اللازم لها وتعليمها مهارات الدفاع عن الذات، وإخضاعها لبرامج إرشادية. كما أنه من الضروري معالجة الطلبة الذين يمارسون التنمر، وتغيير تلك الأفكار الخاطئة التي يتبنونها وإشعارهم بأن تصرفاتهم العدوانية تلك لا تدل على قوتهم إطلاقا بل على ضعفهم.

ويذهب الأخصائي النفسي، الدكتور علاء الفروخ، إلى أن الأطفال من ذوي الإعاقة، كغيرهم، يتعرضون للتنمر بشكل متكرر ولا سيما في المدارس، هؤلاء الأطفال تحديدا لديهم حساسية عالية تجاه الأفعال السلبية القاسية. ويؤكد أن وجودهم في بيئة تفتقد لأبسط صور الحماية، يتسبب غالبا في ضياعهم وشعورهم بالنقمة على من حولهم؛ إذ يفضلون الهروب على المواجهة، وتقديم التنازلات من أجل حماية أنفسهم.

ويرى الفروخ أن الانتباه لظاهرة التنمر أصبح أكبر مع تطور التكنولوجيا ووجود مساحات من الرصد الرقابة من قبل الأهل والمعلمين، ورغم كل ذلك ما تزال الدراسات تشير إلى أن حالات رصد ظواهر التنمر هي أقل من المعدل الحقيقي. ذلك يعود لأسباب كثيرة، أهمها أن الكثير من الأطفال يتجنبون إخبار الأهل والمدرسين، إما لخوفهم اللوم، وأيضا شعورهم بالعار أو التوتر، وهذا الأمر يتطلب وعيا كبيرا من قبل الأهل والمعلمين.

وبما يتعلق بالشخص الذي يمارس العنف، قد يكون تعرضه وهو طفل للعنف في المنزل، وبالتالي يمارس الظاهرة نفسها على الأطفال الأقل منه قوة حتى يشعر بالسيطرة، بحسب الفروخ. ويضيف الفروخ أن الطفل يمارس هذا النوع من العنف تطبيقا لما يشاهده على التلفاز من برامج مليئة بالعنف. وشدد على أهمية زيادة رصد حالات التنمر المعنوي أو اللفظي من حيث العلامات التي من الممكن أن تظهر على الطفل، مثل المزاجية وإهمال الدروس، وعدم الرغبة في الذهاب إلى المدرسة أو أن يشكو الطفل من آلام بجسمه بدون معرفة سببها ويصبح أكثر عنفا وعزلة في المنزل.

وينصح بأهمية تواصل الأهل مع الطفل على نحو مستمر وأن يعاملوا طفلهم بلطف عند تحدثه عن التنمر لا لومه على ذلك، وتأكيد أهمية التعاون مع المدرسة لمحاولة القضاء على مثل هذه الظاهرة.

التعليق