حنان كامل الشيخ

العنصرية والمشروع الثقافي

تم نشره في الاثنين 15 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً

العنصرية التي تجتاح عالمي الفن والإعلام، كانت عبارة عن حالات متفرقة في الماضي ويخجل أحيانا مطلقوها بعد أن يرموا بها أمام الناس.
اليوم هذا المشروع صار متاحا مباحا في العلن وعلى الهواء مباشرة، بدون أدنى اعتبار لمشاعر وكرامة متلقي الرسالة العنصرية المتعالية على الضعفاء، بعد أن أتاحت وسائل التواصل التفاعلية فرصا مفتوحة للتعبير، مع كميات هائلة كانت مختبئة في الماضي وظهرت على السطح، من مريديها ومعجبيها ومردديها.
ما فعله الممثل والإعلامي عادل كرم مؤخرا على مسرح عروضه المباشرة في إحراج متفرجة سورية، كان أمرا بعيدا جدا عن اللياقة والأخلاق والإنسانية، حين اعتبر نفسه وبأداء يعتبره هو وكثيرون ممن ضحكوا معه، ضيفا في بلاده التي لجأ إليها الأشقاء السوريون هربا من جحيم الحرب والقتل الطائفي الممنهج.
لقد كان أبعد ما يكون عن دور الفنان الملتزم بقضايا أمته وإنسانيته، والناطق الرسمي لأوجاع الناس، وهو الدور المنوط بالفن والثقافة عموما، قبل أن يتعرض المشهد الثقافي للتلف. لا يختلف الأمر مع عناوين إعلامية عريضة تجرأت أن تحمل السوريين اللاجئين وحدهم عبء مسؤولية الانحدار الملموس في البنية التحتية للمدن باعتبارهم قد أثقلوا على كاهل الخدمات الممتازة جدا والمؤسسة على قواعد قوية ثابتة سليمة، لكنها تضعف مع كثرة الاستعمال!
هذا النوع من خطاب الكراهية بدأ يحتل مساحات واسعة في الحوار اليومي، وطال جنسيات وأعراقا وطوائف وديانات مختلفة، بدون حسيب ولا رقيب داخلي، يوقظ في نفوس مطلقيها شرارة الخوف من الله والرجوع لأخلاق أهل البلد الحقيقية.
قرأت قبل أيام تغريدة تستكثر على الطلبة المتفوقين من أبناء غزة، حقهم الطبيعي في الدراسة في الجامعات، رغم الظروف المعروفة للجميع المطلعين على أحوال هؤلاء الناس، بقلة حيلتهم أمام تفاصيل حياتهم المعيشية، وضعفهم المطلق في مواجهة ظلامية التوزيع غير العادل لمنح دراسية توفرها السلطة الفلسطينية، لمن ترغب ومن هو أقرب.
في الوقت الذي تتداعى فيه أكبر وأهم الجامعات العربية والأجنبية لاستقطاب المتميزين في الدول العربية لتقديم منح مجانية تماما، للدراسة الأساسية والعليا في جامعاتها، فقط لتضيف إلى رصيدها الاجتماعي إلى جانب سمعتها الأكاديمية في العالم، موقفا إنسانيا وقرارا تعليميا حكيما من وجهة نظرهم.
ليس بالضرورة أن تتوزع حصص التعاطف والتعاون على كل من يستحق وهم بالآلاف، في شتى الحقول الحياتية كالتعليم والعمل والوجود بالأساس، لظروف أصحاب البلاد الأصليين المعروفة والمحسوسة والمعاشة من قبل السكان الضيوف. إنما هذا لا يبرر الإقصاء الوجداني والعملي والأخلاقي تجاه من هم أضعف وأقل تمكينا من غيرهم.
اللاجئون في البداية ليسوا مرفهين أمام خيارات متعددة، تسمح لهم بالنأي عن الفرص وحلول الاستمرار. بل هم في نهاية الأمر مجبرون على التعامل مع ما هو متاح من الحقوق البشرية العادية، ليكملوا مهمتهم في العيش. لكن ذلك لا يعني إطلاقا أن يكون على حساب.
المشروع الثقافي المقبل يجب أن يمسح الغبار والصديد عن مفاصل التشابه والتكامل بين الناس، بيد تَقبل وتُقبل على مصافحة الاختلاف.

التعليق