قراءات تنموية

بمناسبة فتح معبر جابر.. من هم ‘‘البَحّارة‘‘ وما المطلوب تجاههم؟

تم نشره في الأربعاء 17 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً
  • مركبات تعبر الحدود الأردنية باتجاه سورية أول من أمس-(تصوير: محمد أبو غوش)

أحمد أبو خليل

عمان - مر أكثر من ربع قرن على الانتشار الواسع لمفهوم "البَحّارة"، الذي ارتبط بالتجارة المحلية في المناطق الحدودية المختلفة، ولكن بشكل خاص في الحدود الشمالية مع سورية، وبشكل أخص في منطقة الرمثا والقرى المحيطة.
رغم مرور هذا الزمن، ما يزال هنالك التباس في الرأي العام الأردني حول هذا النشاط، فهناك أوساط واسعة تخلط بينه وبين التهريب، أو تنظر إليه وكأنه تجارة غير شرعية. وربما يعود ذلك إلى سيرة المنطقة في الماضي مع التهريب، وقد يعود كذلك إلى المفردات المستخدمة نفسها؛ أي "البحارة" و"التبحير"، التي تشتمل على معاني التخفي والغموض.
سوف تحاول هذه السطور إجلاء بعض الغموض؛ فمنذ أن أصبحت هناك حدود بين الأردن وسورية، نشأت تجارة كما نشأ التهريب، لكن "البحارة" كنشاط اقتصادي تعد صنفاً مختلفاً قليلاً.
لقد تبلورت البحارة واكتملت كنشاط لقطاع كبير من السكان بعد افتتاح معبر جابر-نصيب، وإلغاء اعتماد معبر الرمثا-درعا، كمعبر رئيسي للشحن والتجارة الدولية، وقد كان هذا المعبر هو نقطة الوصل الرئيسية عبر التاريخ الحديث للبلدين.
بعد الانتقال إلى جابر، تحول معبر الرمثا-درعا إلى معبر ثانوي مخصص للركاب والنقل المحلي، ولكن ذلك الإجراء، قضى على النشاط الاقتصادي (الخدمي والتجاري) في الرمثا الذي كان (تاريخيا) يعتمد وينتشر على الطريق الدولي الذي كان يخترق المدينة.
مرونة السكان العالية
كما هي عادة سكان المناطق الحدودية، يتمتع أبناء الرمثا بدرجة عالية من المرونة والمبادرة وخلق الفرص واقتناص المتوفر منها. إن ذلك ميز الاستراتيجيات الذاتية للمجتمع المحلي.
بالتدريج ولكن بتسارع، توسع صنف من التجارة يعتمد على العنصر البشري بالدرجة الأولى، لقد اعتاد الركاب والمسافرون حمل البضائع بالكمية المسموح بها، ولكن هذا النشاط لم يشهد توسعاً إلا منذ نقل المعبر إلى جابر.
وفي الواقع، لقد كان لأهل الرمثا شركاء في هذا النشاط على الجانب السوري في درعا، لأن هذه المدينة الجارة قد تضررت أيضاً من انتقال المعبر السوري إلى "نصيب". كما امتد نشاط "التبحير" إلى نقطة جابر على هامش الحركة التجارية الدولية والنقل العام بين البلدين.
جوهر "البحارة" هو إذن، نشاط تجاري موزع توزيعاً عاليا على قطاع كبير من المواطنين (التجار)، لكن هذا القطاع سرعان ما شمل قطاعات متشابكة أخرى ليسهم في المزيد من اتساع نطاق توزيع المردود.
لا يمكن حصر أعداد المشتركين بهذا العمل بشكل دقيق؛ إذ تقول أرقام غير رسمية لكنها مطلعة (نشرتها الصحافة في تغطيات سابقة)، إن هناك أكثر من 500 سيارة نقل مرخصة على خط درعا، إضافة إلى سيارات النقل الخاص التي تعمل بأسماء أصحابها. وتتحدث أرقام أخرى عن أكثر من 1500 محل تجاري كانت تعمل في "سوق البضاعة السورية"، وقد توقف أغلبها بعد سنوات الحرب، ووفق رئيس غرفة تجارة الرمثا، فإن عدد الأعضاء المسجلين في الغرفة كتجار انخفض من 4800 تاجر العام 2011 إلى 1123 في العام 2017 (حسب تصريحات صحفية حديثة).
حسب تعليمات وشروط النقل العام بين الرمثا ودرعا، يتعين على سيارة الركاب أن تحمل 3 ركاب على الأقل، وفي العادة يكون هؤلاء الركاب عبارة عن "بحارة" متفاوتي الحجم، ويضاف إلى ذلك أن إغراء "التبحير" والاستفادة من فروق الأسعار يدفعان كثيرين لكي يمارسوا العمل ولو بشكل مؤقت ومتقطع.
إننا في الواقع أمام نشاط تجاري رسمي وشرعي، لكنه يقوم على استثمار القوانين والتعليمات إلى أقصى حد، ولكن كما هو الأمر في النشاط التجاري الكبير الذي تمارسه الشركات الكبرى، فإنه تنشأ أسرار للصنعة ويتشكل داخلها خبراء وأبناء كار، وهو تماما ما يحصل في ميدان "التبحير" الذي كوّن عدد من نشطائه خبرات في مجالهم. وقد تتضمن الخبرات أشكالا من "الشطارة" وفنون "الالتفاف" على التعليمات، ولكن تحت طائلة القانون، بل إن "البحارة" كانوا على الدوام عنصرا ضعيفاً أمام القوانين والسلطات، فقد شهد القطاع ضغطا شديدا قبل الحرب والأزمة السورية، وكثيرا ما كان البحارة ضحية التبدل والارتجال في القرارات الرسمية من قبل الحكومتين الأردنية والسورية، فقد خضعوا لتبدلات الرسوم ونسب الجمارك وشروط التنقل.
شبكة واسعة
غير أن شبكة المستفيدين والمشتركين لم تتوقف عند البحّارة المباشرين، فهذا النشاط احتاج لنشاطات أخرى في خدمته، مثل قطاع النقل الداخلي في الأردن، وقطاع التخزين، وقطاع الصيانة والميكانيك، والإنشاءات، فقد تحولت العديد من الشوارع الداخلية في جذر مدينة الرمثا إلى منطقة تجارية بالكامل.
وفي هذه الأثناء، كان سوق الرمثا ينمو كسوق وطني بالكامل يرتاده تجار ومستهلكون من كل المحافظات الأردنية بما فيها محافظات الجنوب، كما برزت مظاهر "تبحير" أكبر حجماً، ونشأ قدر من التخصص، وتحول مُبحّرون إلى وكلاء يجلبون البضائع لمصلحة تجار في المدن الأخرى ومنها العاصمة، ودخلت عبارة "بضاعة الرمثا" إلى أسواق الأردن كعبارة ترويج للزبائن في المدن كافة. وفي الأثناء علينا أن ننتبه إلى أن الظاهرة ورغم أنها حافظت على تسمية "بحارة الرمثا"، إلا أن أعدادا كبيرة من أبناء المدن الأردنية في الشمال عموما انخرطوا في النشاط.
رغم أن البضائع في أغلبها في قطاعات الأغذية (المصنعة والخضراوات والفواكه واللحوم) والمنسوجات والدخان، إلا أنه ليس هناك ما يمنع من شمولها بضائع وخدمات أخرى حسب الحاجة.
لقد توقف نشاط التبحير بشكل شبه كامل، بعد الأزمة، يضاف إلى ذلك أن معبر درعا أغلق قبل معبر نصيب بحوالي عامين، وعلى العموم شهد المعبر اضطرابا منذ بداية الأزمة، تخللتها فترة من تحديد عمليات التنقل، وقد اقتصرت لفترة على "البحارة" من الطرف السوري، الذين نقلوا في بداية الأزمة جزءا من نشاطهم إلى الرمثا، لأنهم كانوا أكثر قدرة على التنقل من الجانب السوري.
المسقبل القريب
ما الذي يعنيه ذلك الآن؟ أي بعد فتح معبر نصيب، والتوقعات بفتح معبر درعا؟
على صاحب القرار الأردني أن ينتبه إلى أن الرمثا في السنوات الأخيرة شهدت، ولأول مرة في تاريخها، ظاهرة فقر حقيقية قاسية بين السكان، وقد دخلت الرمثا (القصبة) إلى قائمة جيوب الفقر الرسمية لأول مرة. وخلال هذه السنوات، بذل السكان جهودهم للعثور على بدائل في الاقتصاد الداخلي من جدوى، وهو ما قاد إلى تغيرات كبرى وصلت حتى إلى مزاج الناس وطباعهم.
يتعين الآن مراعاة البعد التنموي (أي اتساع نطاق توزيع العائد) في قطاع التبحير الذي من المنتظر أن يعود تدريجياً، كما يتوقع أن يشهد امتدادات في محتوى التجارة واتجاهها بالارتباط مع نشاطات إعادة الإعمار في سورية.
سوف يكون من التعسف عدم أخذ البعد الاجتماعي العابر للحدود، الذي ظل حاضرا حتى خلال الأزمة، واستطاع امتصاص العديد من آثارها التي كان يمكن أن تضاف إلى الأعباء التي تحملها الجانب الأردني.
ورغم شرعية وأهمية الانتباه إلى المستجدات الأمنية التي سوف تحضر في مجمل الوضع على الحدود، إلا أن إغماض العيون عن البعد الاجتماعي الاقتصادي للسكان في المنطقة لن يكون قرارا حكيما.

التعليق