التخطيط لفنزويلا ما بعد مادورو

تم نشره في الجمعة 19 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً
  • محتج يلوح بالعلم الفنزويلي أمام مركبات شرطة مكافحة الشغب - (أرشيفية)

أندريس فيلاسكو*

لندن - في رواية إرنست هيمنغواي التي نشرت في العام 1926 بعنوان "الشمس تشرق أيضاً"، يُسأل أحد شخوصها كيف أفلس. فيرد: "أفلست بطريقتين، تدريجياً، ثم فجأة".
وهذا وصف جيد لانهيار الاقتصاد الفنزويلي. فقد أنفق نظام الرئيس هوغو شافيز بما يتجاوز إمكانياته بشكل هائل، في الوقت حيث بدأت الإيرادات المحلية تركد ثم اتجهت نحو الهبوط نتيجة لضعف الاقتصاد. ولذلك، اقترض شافيز وخلفه نيكولاس مادورو قدر إمكانهما، إلى أن توقف المقرضون عن إقراض فنزويلا في العام 2013.
في السنوات القليلة الأخيرة، تسارع الانحدار بدرجة مذهلة. والآن بعد أن أصبحت مطبعة النقود هي أداة التمويل الوحيدة المتاحة، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يكون معدل التضخم في فنزويلا في العام 2018 نحو 1.000.000%؛ أما انكماش الناتج المحلي الإجمالي، فتتضاءل بجانبه الانكماشات المماثلة أثناء أزمة الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن العشرين، والحرب الأهلية الإسبانية، والأزمة اليونانية الأخيرة؛ ويعيش أكثر من 87 % من الفنزويليين في فقر؛ وقد رحلت عن البلاد ملايين لا حصر لها من المواطنين.
يمكننا وصف زوال النظام في نهاية المطاف بأنه كان "تدريجياً ثم فجائياً". وفي حين أن لا أحد في فنزويلا أو خارجها قد يكون على يقين من الكيفية التي قد يرحل بها مادورو، يبدو من الواضح على نحو متزايد أنه سيرحل حتماً.
يشكل عدم اليقين بشأن ما قد يحدث في اليوم التالي من الأسباب التي تدفع مادورو إلى التشبث بالسلطة. ولا يمكن أن يلوم المرء مواطني الطبقة المتوسطة الخائفين الذين يؤمنون بأن القول المأثور بين الملوك والحكام المستبدين هو: "أنا ومن بعدي الطوفان". ومع ذلك، بدأ يظهر تصور لما قد تبدو عليه فنزويلا بعد مادورو، ولا بد أن يعمل هذا على التعجيل بزوال النظام.
في المقام الأول من الأهمية، يجب أن تكون فنزويلا ما بعد مادورو ديمقراطية. ففي السنوات الأخيرة، تدهور ما بدأ كنظام شعبوي -لكنه منتخب ديمقراطياً- ليتحول إلى نظام سلطوي محض. ولم تعد مؤسسات فنزويلا، من المحكمة العليا إلى المجلس الانتخابي الوطني إلى البنك المركزي، تتمتع بأي قدر من الاستقلال. أما الجمعية الوطنية (البرلمان الأحادي المجلس)، حيث تحتفظ المعارضة بأغلبية الثلثين، فقد جردت من أغلب صلاحياتها وسلطاتها. وكانت الانتخابات الرئاسية في أيار (مايو)، والتي أعادت مادورو إلى السلطة، مهزلة بمعنى الكلمة، وكان هذا رأي العديد من الديمقراطيات في العالَم والتي أعربت عنه بكلمات واضحة.
الآن، لا بد أن يتغير الكثير -اقتصادياً وسياسياً- لضمان حرية مواطني فنزويلا. ولا يجب أن يكون المرء خريجا في جامعة شيكاغو ويتزين بربطة عنق آدم سميث لكي يدرك أن انهيار الإنتاج في فنزويلا يرجع في أغلبه إلى دولة متزايدة التدخل في الاقتصاد إلى الحد الذي جعل الإنتاج مستحيلاً. ويبدو أن مادورو عازم على تحقيق نسخة من مبدأ ريغان الأساسي: "إذا تحرك فافرض عليه ضريبة، وإذا استمر في الحركة فعليك أن تنظمه. وإذا توقف عن الحركة فعليك بتأميمه". وتمتلك الحكومة اليوم 457 شركة، وأكثرها لا تزيد كثيرا عن قشرة خارجية. وقد هبط إنتاج شركة النفط العملاقة التي تُعَد جوهرة التاج في الدولة الفنزويلية، PDVSA، إلى ثلث ما كانت تنتجه في العام 1998، عندما انتُخِب هوغو شافيز.
سوف تكون استعادة حقوق الملكية وإصلاح هذه الشبكة من الضوابط والتنظيمات مهمة قانونية وسياسية هائلة، وأقرب إلى المراحل الانتقالية في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي السابق، وليس محاولات تثبيت الاستقرار مع الإصلاح السابقة في أميركا اللاتينية. ومع ذلك، فإن أحد دروس إصلاحات السوق في المنطقة من ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين يبدو وثيق الصِلة هنا: لا بد أن تكون الخصخصة مصحوبة بمنافسة حقيقية. وإلا فإن النتيجة قد تكون الركود الاقتصادي (تستطيع الاحتكارات أن تجني أرباحاً ضخمة على الرغم من فشلها في الابتكار)، وردة فعل سياسية عنيفة (سرعان ما يتمكن الغضب من الناخبين الذين يرون ذلك يحدث).
على نحو مماثل، لا بد من تجنب رأسمالية المحسوبية الشائعة في العديد من اقتصادات ما بعد الشيوعية. فعندما ينتهي الحال بالمديرين المسؤولين عن إعادة الأصول إلى الملكية الخاصة إلى امتلاك تلك الأصول، فإن الإصلاح بهذه الطريقة يضع نخبة فاسدة جديدة في محل نخبة فاسدة قديمة، بدلاً من إعادة السلطة إلى المواطنين.
تتلخص أولوية أخرى لقادة فنزويلا في مرحلة ما بعد مادورو في ضمان قيام الدولة بما يفترض أن تقوم به. ويعمل في الدولة الفنزويلية ما يقرب من ثلاثة ملايين موظف، ووفقاً لأحد التقديرات أكثر من 4.200 مؤسسة، ومع ذلك تفشل الحكومة على نحو بائس في أداء أغلب مهامها الأساسية، مثل توفير التعليم، والصحة، والأمن.
ولنتأمل هنا قضية الصحة: تعاني المستشفيات والعيادات العامة من تدهور شديد في الخدمات، وهي خاوية إلى حد كبير من الأدوية (التي أصبحت الواردات منها نحو ثلث المستوى الذي كانت عليه في العام 2012). وقد وجد أحد الاستطلاعات أن 79 % من المرافق الصحية لا توجد فيها حتى مياه جارية. وقد سمحت هذه الظروف المحفوفة بالمخاطر بعودة ظهور الأمراض التي ظلت ساكنة لفترة طويلة، مثل الملاريا، والدفتيريا، والحصبة، والسل.
أو لنتأمل الحالة الأمنية، التي انهارت تماماً لكي تصبح فنزويلا على وشك التحول إلى دولة فاشلة. فقد أصبحت مساحات شاسعة من الأراضي خارج سيطرة القانون حتى أن قوات الشرطة -وحتى الجيش، في بعض الحالات- لا تجرؤ على الدخول إليها. وفي المراكز الحضرية الضخمة، ارتفع معدل جرائم القتل إلى أن أصبحت فنزويلا على رأس جداول جرائم القتل في العالَم، بعد السلفادور وهندوراس فقط، وقبل البرازيل وكولومبيا والمكسيك بأشواط.
سوف تحتاج فنزويلا إلى حكومة أصغر حجما، وأكثر رشاقة، لكنها أشد قوة، على أن تركز على تلك المناطق حيث لا يمكن الاستغناء عن العمل الحكومي: كيف يمكنها أن تغطي تكاليف الإصلاح بعيد المدى الذي سيكون لازماً؟ وكيف تدفع من أجل التعافي الاقتصادي الحيوي الذي لا مفر منه؟
إن فنزويلا دولة مثقلة بالديون إلى حد فادح (نسبة الدين العام الخارجي إلى الصادرات أعلى من أي دولة أخرى يحتفظ البنك الدولي ببيانات عنها)، كما نفد مخزونها من العملة الأجنبية. ونتيجة لهذا، أصبح نصيب الفرد في إجمالي الواردات عند مستوى يعادل 15 % من المستوى الذي كان عليه في العام 2012، مما أدى إلى نقص -ليس فقط في المواد الغذائية والأدوية، بل وأيضاً في قطع الغيار اللازمة لتشغيل الشاحنات والآلات في البلاد مرة أخرى.
لذلك، يجب أن تشمل الخطة التي تمكن فنزويلا من الاستيراد والعمل كاقتصاد طبيعي مرة أخرى ثلاثة مكونات على الأقل. أولاً، ينبغي للمجتمع الدولي أن يعترف بالحاجة إلى خفض كبير في الدين، بدلاً من تأجيل العلاج لسنوات مقبلة، كما فعل مع اليونان. وثانياً، سوف يكون لزاماً على صندوق النقد الدولي أن يوفر ميزان المدفوعات لحالات الطوارئ، من خلال برنامج لا يختلف كثيرا في الحجم عن ذلك الذي وقعت عليه الأرجنتين للتو. وثالثاً، سوف يتطلب الأمر توفر عنصر المنحة، الذي يقدره الخبراء الفنزويليون بنحو 20 مليار دولار، لتلبية الاحتياجات الإنسانية الطارئة وتجنب الخطأ الذي ارتكبته الأرجنتين عندما سمحت للدين الأجنبي بالتراكم بسرعة أكبر مما ينبغي بعد خفض الديون مباشرة.
كانت حكومة فنزويلا تشن حرباً على شعبها. وأقل ما يستطيع العالَم أن يفعل هو أن يقف بسخاء بجانب الضحايا. وبالقيام بذلك، فإنه يساعد في منع فشل الدولة كامل النطاق، وبالتالي الحد من التأثير الذي قد تخلفه كارثة إنسانية في البلاد وتدفقات هائلة من اللاجئين -ناهيك عن تفشي تجارة المخدرات وغسل الأموال- على الاستقرار الإقليمي والعالمي.
سوف يكون انتقال فنزويلا إلى الديمقراطية واقتصاد السوق محفوفاً بالمخاطر والمزالق، وسوف تنشأ الحاجة لتضحيات كثيرة. وينبغي لقادة فنزويلا الجديدة أن يقروا بهذا، وأن يرددوا كلمات ونستون تشرشل عندما وَعَد "بالكدح والدموع والعرق". وسوف يخلق هذا الجهد المشترك مستقبلاً جديداً وأفضل. وعاجلاً وليس آجلاً، سوف تشرق الشمس أيضاً على كل الفنزويليين.

*مرشح سابق للرئاسة ووزير مالية سابق في تشيلي. وهو عميد كلية السياسة العامة في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية. ألف العديد من الكتب والأبحاث حول الاقتصاد الدولي والتنمية، وعمل في هيئة التدريس في جامعات هارفارد وكولومبيا ونيويورك.

 

التعليق