إبراهيم غرايبة

نحن ما نتذكر.. نحن ما ننسى

تم نشره في الجمعة 19 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:08 مـساءً

"ينال منا اليأس حين نجد مكانا يخلو من كل شيء سوى الظلم، دون أن يكون فيه مجال للسخط، إن الكراهية تشوه الملامح حتى لو كانت كراهية للخسة" اكتور أباد – رواية النسيان
كما يكون الخريف تذكرا ونسيانا، أجد نفسي في ضباب الخريف الذي يلف تلال عمان في الصباح الباكر أتذكر وأنسى، كأن النسيان صلاة! عمان تصلي صلاة يحبها الله ونسيها الناس، فعندما يهبط الضباب على الأرض يأتي محملا بالذين رحلوا إليه، .. ومثقلا بالأفكار والأحلام التي صعدت لأنه لم يكن لها مجال على الأرض، ليس لأن الأرض لا تحبها أو لا تتحملها،.. يجيء أيضا النسيان .. النسيان المستحيل، والنسيان الذي شكلنا؛ الذي هو نحن، .. في هذه التلال قصة للضباب والثلج لا تعود إلا عندما يظن الناس أنهم لا يملكون سوى أحلامهم، .. وعندما حصل يعقوب على بركة أبيه إسحق موهما إياه أنه العيس، وصار إسرائيل، رحل عيسو/ العيس وصار "أدومى" وجد الطريق، .. في العودة إلى الذات والضباب والأحلام، فكانت اللغة والكتابة، والنبيذ والملح والزيت، والتجارة والزراعة والبيوت... والطريق، المورد الذي تجده في الضباب والفضاء .. وفي نفسك، وعندما يأتي الضباب ولا يرى الطريق حولها الناس والمدن وحياتهم يعود خائبا، وعندما يهبط الثلج ولا يجد العنب والزيتون والمعاصر والحقول والشعر والقصص والروايات والموسيقى يمضي "حزينا أسفا"
عمان تنادي الضباب والثلج فلا يسمعانها.
الضباب والثلج يهمسان لـ عمان فلا تسمعهما.
عندما بدأت حياتي العملية العام 1985 كنت أرى نفسي سأكون في 2022 موظفا ناجحا متقاعدا ومثقفا ممتازا وباحثا جيدا وكاتبا مقبولا.. أو هكذا كانت أولوياتي مرتبة. وسأمضي إلى التقاعد لأعمل في الزراعة والقراءة والكتابة. كنت أقول لنفسي سيكون لدي بيت في الريف محاط بمزرعة وأمضي فيه بقية حياتي. سيكون لدي كتب ألفتها وقصص نشرتها. ويكون لدي إلى جانب المزرعة مقال يومي في إحدى الصحف. لم يكن يبدو أجمل وأهم من مقال صحفي يومي. كان ذلك يبدو أقوى أثرا من حكومة.
لكنني اليوم لست سوى موظف فاشل ينتظر 2022 ليكون نسيا منسيا.. لا أمل سوى ان يسامحني كل من عرفني. ليس من نعمة اليوم أجمل من النسيان أن تنسى وتنسى.
فهذا الجيل الذي تشكل وعيه على سقوط جدار برلين (كان عمري 27 سنة) تخلى عن كل ما كان قبل ذلك. لكنه لم يكسب شيئا مما بعد ذلك. ليس له من الجيل السابق تجاربه وأوهامه وليس له من الجيل اللاحق أحلامه ومهاراته. كنا نتوءا في الكون والحياة مثل شهاب تائه أو كوكب فقد مداره. لم يكن لنا مكان ولا حلم ولا توقعات ولا أوهام ولا حماقات. لم نكن مفيدين لأحد. نزعج من قبلنا لكننا عبء على من بعدنا..
لم يرق لنا شيء مما أنجزه الجيل السابق في الثقافة والسياسة والعلم والإدارة وأسلوب الحياة. لكننا لم ننشئ فكرا وتجارب نرضى عنها. أو تفيد الجيل اللاحق. كنا بالنسبة للأجيال غريبي الأطوار. وبالنسبة للكون فقاعة. وفي الحياة صوت مثل الحشرجة لا يسمعها سوانا. شهدنا النهايات كلها. لكننا لم نملك الوقت والفرصة لنستمتع بالبدايات. وأرهقتنا الصدمات لكننا لم تدهشنا التحولات ولم نستوعبها على نحو كاف وملائم. وتعذبنا الذاكرة فليس لنا زمن جميل. ولا نقدر على النسيان فأمامنا أعباء في الحياة جسام، .. لم نكن سوى قربان للأجيال التي سبقتنا والتي لحقتنا. لكننا قربان لم يتقبل. يظن السابقون اننا دمرنا كل شيء ولا يصدقون ما حدث. ويظن اللاحقون اننا فاشلون لم نستوعب ما حدث.
نحن مثل أقلامنا الباركر التي لم تعد تستعمل تذكرنا بخيبتنا. لكنها موضع اعتزاز من قبلنا. وأما من بعدنا فيراها تحفة لا بأس بها.

التعليق