الحكومة البرلمانية المنتظرة

تم نشره في الجمعة 19 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:05 مـساءً

حتى لا يبدو الأمر وكأنه تمرين أكاديمي أو نوع من قراءة الكف والتنجيم، لا بد من وضع فكرة الحكومة البرلمانية التي يتعهد بها رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز خلال عامين في سياقها الصحيح. جاءت الحكومات البرلمانية في الدول الديمقراطية لتعبر عن التوازنات السياسية القائمة في تلك المجتمعات والتي تمثلت بأحزاب سياسية فاعلة وإعطائها التمثيل السياسي الملائم، وهي حكومات تحمل برامج متكاملة وتمتلك ولاية عامة كاملة وتكون مرجعيتها بالكامل للبرلمان المنتخب انتخابا حرا ونزيها.
لا نعرف إن كان الدكتور عمر الرزاز يشير إلى هذا النوع من الحكومات البرلمانية – التي لم تنضج شروطها بعد – أو أنه يتحدث عن نوع هجين من الحكومات البرلمانية كما شهد الأردن في التسعينيات، وإذا كان يتحدث عن النوع الهجين نقول له شكرا، لقد فشلت التجربة لأن الحكومات البرلمانية كانت فقط لتوزير النواب الطامحين دون أن يكون لذلك أي أثر في صناعة القرار السياسي في البلاد. فمن غير المعقول أن تنفصل فكرة الحكومة البرلمانية عن الأوراق النقاشية التي طرحها جلالة الملك.
صحيح أن هناك الكثير من "الإصلاحيين" الذين يطرحون فكرة الحكومة البرلمانية كقارب نجاة وكآلية لتوسيع المشاركة السياسية، بيد أن الأمر أعقد من ذلك بكثير، فلا يمكن تشكيل حكومة برلمانية بقرار سياسي، كما لا يمكن القفز عن الشروط الموضوعية التي يتعين توفرها قبل الولوج في تنفيذ فكرة كبيرة كهذه. وعليه، لا بد من فتح نقاش موسع حول هذه الفكرة للتوافق على كيفية تحقيق الشروط الضرورية لتشكيل مثل هذه الحكومة. الشخص الوحيد الذي وضع تصوراً كاملا هو جلالة الملك من خلال كتابته عددا من الأوراق النقاشية، وأذكر أن الملك طلب مناقشة هذه الأوراق وهو أمر لم يتم لأسباب كثيرة، لكنها أوراق ما تزال تصلح لتشكل أساساً لتوافقات مجتمعية وسياسية حول كيفية الانتقال من الشكل الحالي للحكومات لحكومات برلمانية بالمعنى الحقيقي للكلمة.
من خلال حديث لي مع أحد الوزراء، أفاد بأن الأزمة الاقتصادية هي صعبة ولا بد من التفكير بإصلاح سياسي مواز للإصلاح الاقتصادي حتى يلتف الشعب حول الحكومة كما حدث بعد أزمة 1989. ولاعتقادي بأن هذا الوزير المحترم هو قريب من فكر رئيس الحكومة فربما جاءت هذه الفكرة لتمرير حزمة من القوانين والقرارات الاقتصادية  التي تثقل كاهل المواطن. بمعنى، ربما لا يكون الرئيس جاداً في وضع الفكرة موضع التنفيذ لأنني أعتقد أن قرار الإصلاح السياسي ليس ملفا حكوميا بامتياز، فهناك الكثيرون من أصحاب الشأن لهم رأي في الفكرة وتوقيتها ومآلاتها وانعكاساتها على التوازنات القائمة التي شكلت أساسا للاستقرار لعقود من الزمان.
ونعود للفكرة، ونقول بأن الحكومة البرلمانية تحتاج لبرلمان مستقل وقانون انتخاب يشجع على المشاركة السياسية وأحزاب فاعلة تمتلك برامج متكاملة والقدرة على تعبئة أنصارها، وهذه هي الشروط الرئيسية التي تساهم في تسهيل تشكيل حكومات برلمانية. والحق أن أياً من هذه الشروط لم يتوفر بعد، فهناك إشكالية كبيرة على قانون الانتخاب، والبرلمان لا يحظى بثقة الشارع لأنه تحول على مدار السنين إلى تابع للحكومة كما أن الأردنيين لا يثقون بالأحزاب وهذا يتطلب أكثير بكثير من عامين للتغلب عليه.
رئيس الحكومة بحاجة إلى التروي قبل إطلاق وعود بهذا الحجم ونحن نعلم علم اليقين أن عامين لن يكونا كافيين لترجمة هذه الفكرة إلى واقع ملموس، وربما أصاب رئيس مجلس الأعيان الذي يرى أننا بحاجة إلى جيلين، وهذا بدوره يذكرني ببعد النظر الذي تمتع به الدكتور معروف البخيت عندما صرح قبل سنوات بأننا بحاجة إلى ما يقارب من ثلاثين عاما حتى يكتمل الإصلاح السياسي الحقيقي في بلادنا. حينها انتقده الكثيرون لكن الأيام تثبت أنه كان على صواب.

التعليق