سياسيون وإعلاميون يعتبرون القرار تضييقا على الحريات الصحفية وسوء استخدام لقانون أسرار الدولة

الحكومة تتوسع بحظر المعلومات وتختم جميع وثائقها بـ‘‘سري للغاية‘‘

تم نشره في السبت 20 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً - آخر تعديل في الأحد 21 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 08:54 صباحاً
  • جانب من جلسة لمجلس الوزراء عقدها موخرا -(أرشيفية)

 محمود الطراونة

عمان - عمدت الحكومة أخيرا إلى ختم جميع وثائقها، المرسلة إلى رئاسة الوزراء، بالختم الأحمر عالي السرية، وفقا لمصادر مطلعة، وبما يشمل الوثائق المتعلقة بالأنظمة والتعليمات والقرارات والأعمال اليومية، فضلا عن القضايا الحساسة وأنظمة التنظيم الإداري في الوزارات والمؤسسات والجامعات.
وأشارت المعلومات إلى أن مجلس الوزراء بدأ منذ منتصف الشهر الماضي بختم جميع أوراق المجلس والحكومة وقراراتها وبرنامج المجلس بختم أحمر (عالي السرية)، في خطوة غير مسبوقة، اعتبرها مراقبون وإعلاميون "تضييقا على الحريات الصحفية وسوء استخدام لقانون أسرار ووثائق الدولة، ومنافيا لتوجه الدولة في تكريس حق الحصول على المعلومات، وتعسفا باستخدام السلطة".
ومن بين الوثائق، وفقا للمصادر، أنظمة لمؤسسات ووزارات وجامعات واجتماعات ونقاشات اضافة الى تنقلات وإحالات على التقاعد وإعفاءات وطلبات دعم وخطط حكومية واستراتيجيات لمؤسسات ووزارات، اضافة الى منازعات ولجان حكومية وتوصيات قانونية.
واعتبر اعلاميون وسياسيون أن ذلك من شأنه أن يسهل على الحكومة "ويعيق دور الإعلام كمراقب لأداء الوزراء والوزارات أو الحكومة بشكل عام"، معتبرين ان التوسع بختم الوثائق بموجب قانون حماية واسرار الدولة "يخالف المنطق ويعتبر اعتداء على الحريات وحق الناس بالمعرفة".
يقول وزير الشؤون القانونية السابق سالم الخزاعلة ان قانون حماية اسرار ووثائق الدولة يستهدف حماية الاسرار والوثائق التي يتم تصنيفها بدرجة سري للغاية أو سري أو محدود، موضحا ان تصينف سري للغاية يشمل وثائق "يؤدي اقتناء مضمونها إلى إحداث ضرر بأمن الدولة الداخلي والخارجي أو يشكل خطرا على الدولة أو يمس بالأمن والخطط العسكرية والامنية المتعلقة بالسياسات المتعلقة بالعلاقات الدولية والاتفاقيات أو وسائل الاستخبارات العسكرية والاسلحة والذخائر".
أما درجة سري محدود -حسب الخزاعلة- فنشرها يضر بمصالح الدولة أو تنجم عنها صعوبات اقتصادية أو إدارية على البلاد أو ذات نفع لدولة اجنبية أو تحقيقات ادارية أو جزائية أو محاكمات أو تقارير الاستخبارات العسكرية أو ما يؤثر على الروح المعنوية للمواطنين.
واعتبر الخزاعلة ان هذا التصنيف "يجب ان يتم على اسس قانونية وادارية وتقديرية بمهنية عالية المستوى، تستهدف تطبيق روح القانون ومستهدفاته التشريعية، وحتى لا يصبح تطبيق القانون سيفا مسلطا على الحريات العامة والحقوق الدستورية المضمونة، وبشكل لا يؤدي الى المساس بوسائل الرقابة الشعبية والصحفية والبرلمانية وبما لا يقيد حق الاطلاع على المعلومات والسياسات والقرارات ومراقبتها من الجمهور".
ويضيف "ما يؤسف له أن هذا القانون يجري استخدامه احيانا لمحاولة لاخفاء التصرفات غير القانونية، والتي لا تملك تبريرا سياسيا أو قانونيا، ولا تعبر عن المصالح العامة، ما يؤدي لتضليل الجمهور والرأي العام، وبما يؤدي إلى انتشار الإشاعة والمس بقواعد الشفافية المطلوبة، التي تبنى عليها الحوكمة الرشيدة للقرارات السياسية والادارية والمالية في الدولة".
ويرى الخزاعلة أن حق الحصول على المعلومة أو تدفقها الشرعي "يصبح هنا محل سخرية ومحل استغلال من بعض المسؤولين، الذين ينظرون لأنفسهم بأنهم محصنون وخارج إطار المساءلة العامة، وان شرعية قراراتهم الإدارية يجب ان لا تمس أو تنتقد ولا يمكن مراجعتها".
ويوضح ان هذا أحد الأسباب التي أدت الى ضعف الثقة العامة بالقرارات الصادرة عن الدولة، وجعلها محل شك وفقدان الكثير من الشرعية المفترضة في القرار الاداري السليم والمشروع.
ويلفت الخزاعلة الى ان منع الصحافة من أحد اهم حقوقها في الرقابة الحرة المهنية المبنية على تدفق المعلومات المرتبطة بقرارات وسياسات السلطات العامة "يؤدي لحالة من انعدام المساءلة العامة، وتغييب لأهم أدوات الفحص والتحري والنقد والتحليل وهي المعلومة التي تمس وترتبط بحقوق المواطنين وكيفية إدارة شؤونهم".
وفي السياق، قال النائب مصطفى ياغي إن ختم الوثائق بالختم الاحمر عالي السرية "مسألة تقديرية للحكومة"، لافتا الى ان الوثائق المهمة التي تمس امن أو اقتصاد البلد يمكن ان تختم، فيما القضايا اليومية أو الانظمة أو القرارات المرتبطة بالناس لا يجوز ختمها.
واشار الى انه لا يملك معلومات فيما إذا كانت الحكومة تختم كافة أوراقها المهمة وغير المهمة، مشددا على ان ذلك أمر لا يجوز.
من جانبه، قال وزير سابق في الحكومة واستاذ قانون رفض الكشف عن اسمه، انه لم يدرج ان مجلس الوزراء يختم كافة وثائقه بختم عالي السرية، بل وان غالبية التعليمات والانظمة مثلا "يجب ان توضع على موقع ديوان التشريع والرأي لمدة عشرة ايام لاخذ التغذية الراجعة وتنشر ليراها الناس ويعلقوا عليها".
وابدى استغرابه من منع تداول أو نشر كافة الوثائق الواردة للحكومة أو الصادرة منها، معتبرا ان للحكومة حماية الوثائق المهمة والتي يمكن ان تمس بالامن الوطني أو ذات العلاقة بمصالح استراتيجية للدولة.
ولفت الى ان مثل هذه القضايا لم تكن تدرج على جدول اعمال مجلس الوزراء في حكومات سابقة، وانما كانت تبحث في بند ما يستجد من اعمال وكان الوزراء يقرأونها عبر الشاشة ويناقشونها.
واعتبر ان على الحكومة ان تكون اكثر شفافية في القضايا المتعلقة بالمواطنين، وان لا تمنع عن الاعلام كل المعلومات والتي يجدر بها نشرها بعد ذلك في الجريدة الرسمية.
ونفى المسؤول السابق علمه بأن الحكومة قد اتخذت مثل هذا القرار "المستغرب".
من جهته قال نقيب الصحفيين الزميل راكان السعايدة ان من الواضح ان تكون هذه الوثائق محمية ونشرها وتداولها يخضع مرتكبه للمساءلة القانونية لمخالفة قانون حماية اسرار الدولة.
واعتبر ان هذا "منطق غريب وليس سويا، ولا يجوز ان يمنح الختم لكافة الوثائق على اطلاقه".
واردف بالقول "لذلك ندعو الدولة لوضع معيار شفاف واسس صحيحة لتصنيف الوثائق السرية، وان لا يسحب على كل الوثائق"، لافتا الى ان ذلك يأتي بنتائج عكسية.
وأوضح السعايدة ان هذه اشارات "سلبية وتدل على عدم رغبة الحكومة بمتابعة الاعلام للشؤون السياسية والاقتصادية، ونوع من التصيد للصحفيين، والتوسع بها أمر مناف للمنطق ولا ينسجم مع حق الناس بالمعرفة ودور وسائل الاعلام بالاطلاع والمعرفة".
وشدد على ان هذا الامر "يجب ان لا يترك لتقدير شخص ويسهل على الحكومة الافلات من المساءلة والمتابعة، بحيث لا يجوز التعاطي أو تناول القضايا التي تطرح على الحكومة أو تلك التي تناقشها أو تصدر عنها".
وتابع نقيب الصحفيين انه لا يعقل التوسع في استخدام خاتم سرية الوثائق لكل الوثائق الصادرة عن الجهات الرسمية، وان مثل هذا التوسع "يؤثر سلبا على تدفق المعلومات تجاه مختلف القضايا، ويعيق عمل الاعلام كأداة رقابة على الأداء العام والمؤسسات".
وتنص المادة 13 من قانون حق الحصول على المعلومات على ان "على المسؤول ان يمتنع عن الكشف عن المعلومات المتعلقة بـالأسرار والوثائق المحمية بموجب أي تشريع آخر، والوثائق المصنفة على أنها سرية ومحمية والتي يتم الحصول عليها باتفاق مع دولة اخرى، والاسرار الخاصة بالدفاع الوطني أو أمن الدولة، أو سياستها الخارجية، والمعلومات التي تتضمن تحليلات أو توصيات أو اقتراحات أو استشارات تقدم للمسؤول قبل ان يتم اتخاذ قرار بشأنها، ويشمل ذلك المراسلات والمعلومات المتبادلة بين الادارات الحكومية المختلفة حولها"
كما تشمل "المعلومات والملفات الشخصية المتعلقة بسجلات الاشخاص التعليمية أو الطبية أو السجلات الوظيفية أو الحسابات أو التحويلات المصرفية أو الاسرار المهنية، والمراسلات ذات الطبيعة الشخصية والسرية سواء كانت بريدية أو برقية أو هاتفية أو عبر اي وسيلة تقنية اخرى مع الدوائر الحكومية والاجابات عليها، والمعلومات التي يؤدي الكشف عنها الى التأثير في المفاوضات بين المملكة واي دولة أو جهة اخرى والتحقيقات التي تجريها النيابة العامة أو الضابطة العدلية أو الاجهزة الامنية بشأن أي جريمة أو قضية ضمن اختصاصها".
كذلك تشمل "التحقيقات التي تقوم بها السلطات المختصة للكشف عن المخالفات المالية أو الجمركية أو البنكية ما لم تأذن الجهة المختصة بالكشف عنها والمعلومات ذات الطبيعة التجارية أو الصناعية أو المالية أو الاقتصادية والمعلومات، عن العطاءات أو البحوث العلمية أو التقنية التي يؤدي الكشف عنها إلى الإخلال بحق المؤلف والملكية الفكرية أو بالمنافسة العادلة والمشروعة أو التي تؤدي إلى ربح أو خسارة غير مشروعين لأي شخص".
اما المادة 7 من القانون ذاته فتنص على "لكل أردني الحق في الحصول على المعلومات التي يطلبها وفقا لاحكام هذا القانون اذا كانت له مصلحة مشروعة أو سبب مشروع".
فيما تنص المادة 8 من ذات القانون على "المسؤول تسهيل الحصول على المعلومات، وضمان كشفها دون ابطاء وبالكيفية المنصوص عليها في هذا القانون".
وتصنف بدرجة (سري للغاية) أي أسرار أو وثيقة محمية اذا تضمنت الأمور التالية، والواردة في قانون حماية أسرار الدوة:
أ- أي معلومات يؤدي افشاء مضمونها لاشخاص تقتضي طبيعة عملهم الاطلاع عليها أو الاحتفاظ بها أو حيازتها الى حدوث أضرار خطيرة بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي أو الى فائدة عظيمة لأي دولة اخرى من شانها ان تشكل أو يحتمل ان تشكل خطرا على المملكة الاردنية الهاشمية.
ب- خطط وتفصيلات العمليات الحربية أو اجراءات الامن العام أو المخابرات العامة أو أي خطة ذات علاقة عامة بالعمليات الحربية أو اجراءات الامن الداخلي سواء كانت اقتصادية انتاجية أو تموينية أو عمرانية أو نقلية.
ج- الوثائق السياسة المهمة جدا وذات الخطورة المتعلقة بالعلاقات الدولية والاتفاقات أو المعاهدات وكل ما يتعلق بها من مباحثات ودراسات.
د- المعلومات والوثائق المتعلقة بوسائل الاستخبارات العسكرية أو المخابرات العامة أو الاستخبارات المعاكسة أو مقاومة التجسس أو أي معلومات تؤثر على مصادر الاستخبارات العسكرية أو المخابرات العامة أو المشتغلين فيها.
هـ- المعلومات المهمة المتعلقة بالاسلحة والذخائر أو اي مصدر من مصادر القوة الدفاعية التي يشكل افشاؤها خطرا على أمن الدولة الداخلي أو الخارجي.

التعليق