‘‘آية‘‘ و‘‘بنزين‘‘.. معالجة سينمائية لقضايا اجتماعية بلمسة نسوية

تم نشره في الاثنين 22 تشرين الأول / أكتوبر 2018. 11:00 مـساءً
  • مشهد من فيلم "بنزين"- (الغد)
  • مشهد من فيلم "آية"- (الغد)

إسراء الردايدة

عمان- المرأة هي محور الفيلمين التونسيين "آية"  و"بنزين"، وإن اختلفت قصة كل منهما، إلا أن البطولة والإخراج "نسائيان"، تعاين همومها وقضاياها، وفي الوقت ذاته، يثبتان دور السينما في طرح الأسئلة والاكتشاف التي تدفع بالمتلقي للتفكير والإجابة عنها، وسط فن التصوير والتمثيل والنص.
ففي الفيلم الروائي القصير "آية" للمخرجة مفيدة فضيلة، تتناول أثر المتشددين الإسلاميين الذين ظهروا بشكل كبير في تونس بعد ثورة الياسمين، وتحديدا الضغوطات التي مورست على المرأة، ولكن هذه المرة من خلال حكاية آية ابنة الستة أعوام، والتي أجبرت على ارتداء الحجاب وتلقي تعليمها في مدارس لا تؤمن بدور الثقافة والتنوير، وتحدد عمر تعليم الفتاة، بحيث لا يتعدى الثامنة أو التاسعة!.
يجسد الفيلم الاضطهاد بحق الأطفال، خاصة الفتيات، وحرمانهن من التعليم، عبر التخويف باسم الدين، وبأفكار مشوهة.
في "آية"، تتحدث فضيلة عن التبعية التي تفرض على النساء، وهي ما يتعارض مع حقوق المرأة في تونس، الى جانب "تسييس" التدين واستغلاله وتشويه أفكاره، لتنفيذ مصالح جماعات متشددة عبر استغلال احتياجات الناس وضعفهم.
"آية"، التي تعاملت مع الأفكار المغلوطة والمشوهة عن الدين، وما فرضه والدها وزرع بمخيلتها، خاصة فيما يتعلق بمفاهيم الإيمان والطاعة، فكان عليها أن توازن بين رغباتها في اللعب وبين خوفها مما قيل لها، لينتهي بها المطاف بأن تصبح عرضة للسخرية والضرب والاضطهاد من أقرانها، لما ترتديه وتردده قبيل أن تتمرد الأم على كل هذا، وتحمي طفلتها وتغادر بعيدا.
وكان الفيلم قد عرض في مهرجان مالمو للسينما العربية، ونال جائزة التانيت الذهبي في مهرجان قرطاج السينمائي، وجائزة الجمهور في مهرجان الفيلم العربي الفرنسي نوازي لوسيك، وجائزة لجنة التحكيم في مهرجان السينما في العالم بباريس، والجائزة الذهبية في مهرجان جنيف الدولي للسينما الشرقية (FIFOG)، وهو بطولة عفيف بن محمود، وغانم زريلي، وماي برهوما وبحري رحالي.
أما الفيلم الروائي الطويل "بنزين" لمخرجته سارة العبيدي، فيتطرق للهجرة التي يقوم بها الشباب في دول المغرب العربي، الى دول أوروبا ويعرفون بـ"الحراقة"، هروبا من الأوضاع المعيشية الصعبة.
الأفلام التي طرحت موضوع "الحراقة" تروي بالعادة رحلة الشباب في البحر، والأسباب التي دفعتهم لهذا، إلا أن العبيدي تناولت الجانب الآخر من الحكاية، وهي معاناة الأهل بعد أن يذهب أبناؤهم وحالة الخوف، ومصير أبنائهم المجهول. وتجسد صور الفيلم معاناة زوجين؛ سالم (علي اليحياوي) وحليمة (سندس بلحسن) يفقدان ابنهما الوحيد فجأة، بدون أثر، لتعيش الأسرة "كابوسا" ودوامة لا تنتهي من الشك والخوف، مما ينعكس على نفسيتهما، وفي الوقت ذاته، طريقة تعامل السلطات مع اختفاء الأبناء ومصيرهم المجهول في الخارج.
في "بنزين" الذي استوحي اسمه من عمل سالم في بيع البنزين على جانب الطريق الذي تمر به سيارات قليلة، وسط تداعيات الهجرة القسرية وواقع الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في المناطق البعيدة عن المدن الكبيرة، والتهميش وغياب فرص العمل للشباب، ما يدفعهم لركوب قوارب الموت، بحثا عن حياة أفضل في الضفة الأخرى.
المعالجة البصرية في "بنزين"، ومن خلال البناء الدرامي لواقع الأسرة المنكوبة، ركزت فيه المخرجة العبيدي على الأم والأب وعلاقتهما كزوجين في دعم بعضهما بعضا وسط المصيبة التي يمران بها، خاصة من خلال اللقطات القريبة للوجه التي أبرزت حجم الخوف والهلع والإحباط والتوتر. بالإضافة لمساحات الصمت في المشاهد بغياب الحوار، في شخصيتين متناقضتين، فالأب شخصية سلبية مستسلمة ضعيفة، مقابل الأم المليئة بالأمل، والتي تبحث عن مخرج ومنفذ، وتسعى لمعرفة مصير ابنهما في بيئة طبيعية جعلته أكثر واقعية، وهو ما انعكس على سير الأحداث والرتابة التي ترتبط ربما بواقع الحياة الرتيبة في تلك القرية، والتي لا تشهد حركة كبيرة.
"بنزين"، يبرز صلابة الأم وقوتها ودورها في الإبقاء على تماسك الأسرة أيضا، ويبين المهام التي تقوم بها النساء ومسؤولياتهن التي تتطلب منهن التدبير، وفي الوقت ذاته يبرز تعاضد النساء مع بعضهن بعضا من خلال صداقة حليمة بجارتها التي لعبت دورها الممثلة التونسية القديرة فاطمة بن سعيدان، ودعمها العاطفي والمعنوي والإنساني.
ويذكر أن الفيلم قد فاز بجائزة أفضل فيلم روائي في مهرجان السينما العربية في باريس، وجائزة أفضل ممثل "علي يحياوي" في "مالمو" السينمائي في السويد.

التعليق