ضائقة مثقفي اليسار

تم نشره في الجمعة 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:09 صباحاً

معاريف

نافا درومي

مقال ايريس ليعال بعنوان "عطب فكري" ("هآرتس"، 4/11)، كشف أيضا عن فشل منطقي وضائقة تتملك مثقفي اليسار ازاء تخلي من كانوا جزءا من الطبقة العليا والآن هم "اعطاب".
حسب اقوال ليعال، هناك مشكلة مزدوجة مع من قرروا ترك السفينة التي انحرفت نحو اليسار أكثر من اللازم: ليس فقط أنهم كانوا المعسكر وغيروا دينهم، بل هم أيضا يغلقون افواههم ويكشفون لنا إلى أي درجة هي متعفنة الايديولوجيا التي آمنوا بها. هل بحثتم عن الحقيقة ووجدتموها، رغم أنها تعارض توجهكم السياسي؟ الآن صمتوا، هذه هي الرسالة. ليس لأن الحقيقة التي وجدوها خطيرة، بل لأنها تكشف الكذبة التي عاشوا فيها. ليعال مخطئة. المسؤولون عن الضرر الاكثر خطورة لمعسكرها هم اعضاؤه الحاليون، كيف يمكننا أن نكتب أن جوهر المثقف هو البحث عن الحقيقة – حتى لو كانت تعارض توجهه السياسي – عندما يكون هذا بالضبط هو خطأها وخطأ زملائها؟
مثقفو اليسار ليس فقط يفشلون المرة تلو الاخرى في البحث عن الحقيقة، بالتحديد بسبب أنها تعارض توجههم السياسي، بل لأنهم يكررون حقيقتهم المشوهة بلا توقف. في كل مرة تنفجر فيها ايديولوجيتهم على شاطئ الواقع يبدؤون بالتبريرات: الجمهور لن يصوت لليسار لأنه غبي ومغفل، الفلسطينيون يقتلوننا لأنهم مساكين، هم يرفضون التوقيع على اتفاق لأننا لم نعرض عليهم ما يكفي، والموضة الجديدة – اوسلو كانت ستنجح لو لم يقتل رابين، والقاتل في بتسبورغ هو نتاج ترامبي.
لو هبطت كائنات من الفضاء هذا الأسبوع على كوكب الارض لكانت ستعتقد أن بنيامين نتنياهو أطلق ثلاث رصاصات على رابين، وأن اللاسامية هي ظاهرة خاصة بالنازيين الجدد، كارهي المهاجرين، والتي ولدت في اليوم الذي صعد فيه ترامب إلى سدة الحكم.
ولأن ليعال تكتب عن النقاشات حول ترامب، مطلوب مني أن أحضر كمثال عدد من الشخصيات التي صممت هذا الاسبوع على دفع الحقيقة إلى الزاوية. مثلا، تغريدة تومر برسيكو "بعد ساعتين سأسافر إلى نيويورك... وهناك خشية صغيرة، لكنها قائمة، من العنف اللاسامي الذي يمكن أن يوجه لي، أنا أعيش منذ سنوات في القدس ومررت بفترات من الاحداث، ولكن التركيز عليك بصورة خاصة، بالذات عليك لكونك يهوديا، فهذا جديد، وهذا حقا فظيع".
ما الذي يمكن أن يفهمه شخص عادي من هذه التغريدة، لا يتميز بالذكاء الخاص بشعب الله المختار؟ أنه حتى عملية القتل في بتسبورغ كان يعيش يهود في البلاد دون خوف من أن الشخص الذي صعد إلى الحافلة التي سافروا فيها في تل ابيب وهو يرتدي معطف واسع ويحمل حزام ناسف. وبشكل عام، كل أعمال العنف للفلسطينيين تجاه اليهود، قبل وبعد اقامة الدولة، هي في المجمل معارضة عنيفة ليس فيها كراهية شديدة لليهود.
التماس الفكري هذا ليس انحرافا وحيدا لا يتكرر، هو جدي. حيمي شليف كتب بأن قيم دولة إسرائيل تشبه قيم القاتل، وميخال روزن غردت بأنه من البيت اليهودي تهب رياح نازية جديدة. النازيون الجدد في ارجاء العالم يشكرونهم. قولوا لي إن هذا ليس خطيرا.
روبرت بافرس كان يمكنه التوجه إلى ملجأ للمهاجرين أو لفرع الحزب الديمقراطي – لقد اختار الكنيس لأنه شخص لاسامي، بدلا من قول هذه الحقيقة البسيطة "أو السكوت كما تقترح ليعال"، ذهب مثقفو اليسار هذا الاسبوع وقالوا إن ترامب أشرف على هذا القتل ونتنياهو ورون ديرمر ونفتالي بينيت دافعوا عنه برواية "ترامب ومساعدوه" 2018.
ولكن ما المدهش عندما يدور الحديث عمن لا يرون اللاسامية الفلسطينية التي تعمل فينا ذبحا منذ سنين ويتهمون الاحتلال بكل شيء. في عالمهم، ترامب الذي يحاول اغلاق الاونروا ووقف تحويل الاموال للفلسطينيين واحباط المؤامرة الإيرانية، يشجع على قتل اليهود. في حين أن اوباما محبوب نظام آيات الله، هو حقا نموذج للحفاظ على الدولة اليهودية.
ليت مثقفي اليسار يقرأون اقوال ليعال. اذا طبقوا ما اقترحته فيمكنهم الانضمام إلى اصدقائهم السابقين، الذين فعلوا ما طلبه جوليان باندا وبحثوا عن الحقيقة رغم أنها كانت تخالف توجهاتهم السياسية. غيدي تاوب، عيريت لينور، بني موريس ويوفال شتاينيتس هم فقط امثلة معروفة على من فعلوا ذلك واثبتوا أن هذا تغيير صعب، لكنه ممكن. يجب عليهم الاستمرار في التحدث عن الحقيقة التي وجدوها، هذا من شأنه أن يزيد عدد الأشخاص الذين يوجد لديهم القليل من الاستقامة الفكرية، القليل فقط.

التعليق