أمسية حاشدة للبرغوثي في "شومان": "أدفئ رضوى من البرد"

تم نشره في الأربعاء 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:00 صباحاً
  • مريد البرغوثي يوقع ديوانه الجديد في منتدى شومان أول من أمس - (الغد)

عمان -الغد - وسط حضور عماني كبير وتفاعل واسع من المهتمين بالشأن الثقافي، احتفى منتدى عبد الحميد شومان الثقافي أول من أمس الإثنين، بإشهار ديوان "استيقظ كي تحلم" للشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي.
وأضاء البرغوثي المكان بصوته الدافئ، وهو يطوف على بساتين المفردات، وانتقل بقصائده وحكاياته بين رام الله والقاهرة وبيروت وإيطاليا، بنبرة خافتة ولغة دقيقة تتجنب الشاعرية الجاهزة والمتوقعة.
والقى البرغوثي العديد من قصائد ديوانه الجديد الصادر عن دار رياض الريس للكتب والنشر في بيروت، ويتضمن مجموعة قصائد كتبها بين الأعوام 2005- 2018، حيث أدارت الحفل د. غادة خليل، وتحدث عن سياق الديوان الشاعر تميم البرغوثي، بمصاحبة العازفين عمر عباد (عود) ورلى البرغوثي (قانون).
وبدأ البرغوثي قراءاته الشعرية مستفتحا بقصيدته "خلود صغير"، وتقول القصيدة:
"مُفردا، شاهقا، شرفتي غيمة دللتها السماء،
أطل على شاطئ جنة،
قال أخضرها كل أقواله هامسا، هادرا
فستقي الذوائب، يوشك يلمع،
أخضر يرضع، يحبو،
يكاد يشيب إلى المشمشي المضيء،
ويدخل في الصدئي الموشى كما قشر رمانة أوغلت في النضوج
وأخضر فيه الدخاني، يهرب من زرقة خالطته
خلف أزرار هذا القميص الخفيف، أواصل أشغال من ظل حيا: أدفئ رضوى من البرد".
وكانت د. غادة خليل وصفت البرغوثي بأنه "منحازا للجمال ودفق الحياة ورواية المظلوم والكبرياء.. بعيدا عن الغموض قريبا من الحميم والحار والحقيقي والعفوي تقول قصائد مريد أكثر بكثير من لقطاتها ومشاهدها وكلماتها ومفارقاتها.. ثمة لغة خفيّة تترقرق كماء نبع لا يكف عن الجريان تسمعها فيما لم تقله القصائد.. فضاء فلسفي واسع.. إنه وشوشة خفية تحرر وتعتق وتوحد البشر مع كل ارث عظيم".
لكن خليل تساءلت أيضا، هل سنواجه الزيف وتكتب تاريخا آخر كما فعل المريد؟ هل سنواجه القبح بالجمال والكذب بالحقيقة؟ ام سنحتفي بدخان الحروب ونياشين التاريخ الرسمي المتربع فوق الحطام؟ هل نستيقظ لنحلم فتطول قاماتنا نخيلا طيبا يؤتي أكله كل حين كدرويش ورضوى عاشور أم ننام و"ننسى كأننا لم نكن؟"
وبحسبها، فإن ديوان البرغوثي يلخص سيرة شعرية، لغتها طين الارض وطزاجة العشب وملامح الناس ومفارقتها زخم الواقع وعمق الرؤية والتجربة، مبينة أن مريد يعلمنا أن البسيط هو البليغ وان القليل هو الكثير.
فيما قرأ البرغوثي عددا من القصائد المختارة "دون ضجة، موسيقى بلا نحاس، مدت يدها، في مديح الأشباح، القبطان، القرية سكتت في العام الأول، سلة الفواكه، طاعة الماء؟ تمر الحياة بنا، فليحضر التاريخ، منطق الكائنات".
ثم كانت قصيدة "موسيقى بلا نحاس"، التي تتسم باختزال عالم من الأسرار والتفاصيل، ومنها:
"أعرف أنها لا تجيب لكني، بين غارتين
سألت الحرب أسئلة بسيطة:
من أين تأتين بهذه الهمة؟
أتعلمين أنكِ لم تطلبي إجازة
من عملك على أرض البشر
منذ كان البشر؟"
الشاعر تميم البرغوثي، وصف الديوان المُحتفى به في كلمة له، أنه محاولة لعقد سلم ما مع البقاء، والتحديق في الحُلم الموجع حتى يكون، والتحديقِ في الكابوس حتى يزول، وهو محاولة للرد، على ألمنا، نحن الثلاثة، ونحن جميعاً، وعلى الخروج من ليلنا المنتصف، نحن الثلاثة ونحن جميعاً، وهو دعوة للنفس وللناس، نداء، من منتصف اليل، لمن شاء أن يرى ويسمع: أن استيقظ كي تحلم.
وعن سياق الديوان، قال البرغوثي إن "الشعر أعلى الكلام، ولا يوصف الأعلى بالأدنى، لذا لن أصف الشعر الذي ستسمعونه، ولكن وددت شرح الظروف التي كتب فيها، إذ كاد عنوان ذلك الديوان أن يكون تنبؤاً، فقد دخلت أسرتنا الصغيرة، ليلاً طويلاً، فقدت فيه أمي أخاها أولاً، ثم أمها، ثم فقد فيها أبي أمه، ثم غابت رضوى عاشور بعد مرض قاتلته أربع سنوات أصبنا خلالها بالأمل الموجع في الشفاء التام مراراً، ثم فقدنا عمي مجيداً العام الماضي".
البرغوثي منذ بداياته الأولى كان مختلفاً، وكان يبحث في المعيش اليومي وفي كلام الناس ومفرداتهم وإيقاعات حياتهم. وعاد من خلال ديوان "استيقظ كي تحلم"، لحيويته النابضة والثابتة على معايير الجمال المشبعة بأنوار الغزل.
تنقل وعمل في أماكن عديدة (القاهرة وعمان والمجر)، وتزوج الروائية المصرية رضوى عاشور، لكنه نجح بعد أن عاد إلى بلدته، في نقل نبض الحياة اليومية وعذاب الناس.
يذكر ان البرغوثي صدر له العديد من الدواوين الشعرية منها: "الطوفان وإعادة التكوين"، "فلسطيني في الشمس"، "نشيد للفقر المسلح"، "الأرض تنشر أسرارها"، "قصائد الرصيف"، "طال الشتات"، "رنة الإبرة"، "منطق الكائنات"، "ليلة مجنونة"، "الناس في ليلهم"، "زهر الرمان". كما صدرت اعماله الشعرية في مجلدات جزأين، وفي مجال النثر صدر له: "رأيت رام الله"، "وُلدت هناك، ولدت هنا".

التعليق