إبراهيم غرايبة

الطريق إلى التطرف

تم نشره في الأربعاء 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2018. 12:06 صباحاً

"التشابه يؤدي حتما إلى التطرف، والاختلاف يؤدي إلى الاعتدال" كاس ر. سينشتاين يوضح كاس ر. سينشتاين في كتابه "الطريق إلى التطرف، اتحاد العقول وانقسامها" كيف يظهر التطرف والاستقطاب بين الأفراد في حياتهم الاجتماعية، ليس فقط في التنظيمات الدينية، وإنما في كل التجمعات بدءا من مجالس الإدارة حتى المجالس النيابية، حيث تعمل المناقشات والمداولات العلنية على دفع العقول إما إلى الاتحاد والانقسام في ميول تطرفية ظاهرة، وكيف يكوّن الأفراد اتجاهاتهم ومعتقداتهم وكيف يغيرونها، والظروف التي تتغير في ضوئها. ويصل في تحليله إلى أن مواجهة التطرف تكون في التنوع والتعدد لحياة الأفراد والشعوب.
إن الجماعات تنشئ سلوكا جمعيا موحدا مختلفا عما يمكن أن يسلكه الفرد، يصدق ذلك على جماعات المراهقين، والأصدقاء، والجماعات الدينية المتطرفة والإرهابية، والمستثمرين، وأفراد الشرطة، وهيئات المديرين، والجيران، والمعارضين السياسيين، والنقابات العمالية، وجماعات العقارات والتنظيمات الريفية، والأحزاب السياسية، والهيئات التشريعية حركات التحرر، ويعتبر هذا من أفضل وأسوأ ما يصيب الحياة الاجتماعية بسبب ديناميات الجماعات التي يقتنع بمقتضاها أعضاء الجماعات بالأفكار والاتجاهات الجديدة.
تميل الجماعات إلى الحدود القصوى للتطرف، ومن المعتاد أن ينتهي أعضاء الجماعة الذين يتشاورون فيما بينهم إلى مواقف متطرفة داخل الاتجاه العام للجماعة نفسه أكثر مما كانت عليه ميولهم قبل أن يبدأ هذا التشاور. لماذا يميل الأفراد المتشابهون إلى التعصب أو المبالغة؟ ومتى تظهر أفعالهم تلك؟ ترتبط الإجابة بنطاق واسع من القوة الهائلة للسلطات وطبيعة البشر، والتفكير الجماعي، والتيارات الاجتماعية التي تتحرك من خلالها مجموعات كبيرة من الأفراد في اتجاهات جديدة فيما يتصل باستثماراتهم واختياراتهم السياسية وقناعتهم الدينية.
تصبح آراء  الناس أكثر تطرفا لمجرد تأكيدها لوجهات نظرهم الأولية ولتعزيزها ولأنهم أصبحوا أكثر ثقة بعد التعلم من وجهات نظر شاركوا الآخرين فيها، والكثير مما نعتقد فيه أو نحبه أو نكرهه في الحياة اليومية يتأثر بتبادل المعلومات والتواصل. وبطبيعة الحال فإن الأفراد حينما يبدأون انطلاقا من وجهة نظر متطرفة ويوضعون في جماعة من الأفراد ذوي التفكير المتشابه، فمن المرجح أن يغالوا في التطرف.
ويلاحظ أنه في الجماعات (الدينية أو القومية أو النقابية أو التجارية أو الطبقية أو السياسية، أو القرابية، ..) يميل المتطرفون الى التحرك والفاعلية ويميل المعتدلون الى العزلة والخروج من الجماعة، وتميل المجموعات الى الفهم المتحيز، فينقص الأعضاء من أهمية الآراء غير الملائمة لهم بوصفها آراء ساذجة أو غبية، ويجدون أن الآراء الملائمة لهم ذكية ولائقة، ومن ثم يزيدون تشددا.
وقد أصبح بديهيا القول إنه من الوسائل الواقعية لإنشاء جماعة متطرفة أو طائفة دينية من أي نوع؛ فصل أو عزل الأعضاء عن بقية المجتمع، فصلا ماديا أو سيكولوجيا، وخلق إحساس بالشك في من هم من غير أعضاء الجماعة.
ويذكر المؤلف نقطتين يصفهما بأنهما جوهريتان؛ كلما تحركت دافعية الأفراد نحو تكوين اهتمام من أجل شهرتهم الخاصة، فإنه من غير المحتمل أن يتغيروا بسبب المعلومات أو الآراء الجيدة، وفي هرب الناس وخوفهم من العزلة فإنهم يتكيفون مع الجماعات التي يجدون أنفسهم فيها أو يمكن أن ينتموا إليها. وفي ذلك ينشئون مواقفهم كما يتوقع منهم أو كما يعزز انتماءهم وموقعهم في الجماعة.
إن الاستمرار في النظر إلى التطرف باعتباره مجرد نزعة فردية أو فهم مغلوط لنصوص دينية أو أيديولوجية، يعفي الدول والمجتمعات من مسؤوليتها عن الفشل، ويساعد في تكريس التطرف ويقلل من فرص فهمه ومواجهته.

التعليق